محمد أبو زهرة

1414

زهرة التفاسير

العقاب لأنه تقليم لأظفارها ، وقطع لآثارها فلا يصح العفو عن زان يعلن جريمته ، ولا عن سارق اعتاد السرقة واستهان بالحرمات ، وروّع الآمنين ، كما لا يصح العفو عن فساق الألسنة ، الذين يقذفون الناس ، ويرمونهم بالسوء ، ويعملون بذلك على إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا ، فإن العفو في هذه الأمور استهانة بحرمات اللّه تعالى ، إنما العفو المطلوب هو الذي يكون في أنواع الأذى الشخصي وهي التي ينطبق عليها قول اللّه تعالى : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 ) [ الأعراف ] وقوله تعالى : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 ) [ فصلت ] ، ولقد ذكرت عائشة في وصف النبي أنه كان لا يغضب إلا أن تنتهك حرمات اللّه ، فإذا انتهكت حرمات اللّه لا يقوم لغضبه شئ حتى ينتقم للّه « 1 » . ولقد ختم سبحانه هذه الآية بقوله تعالى : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وهي الصفة الرابعة ، وقد ذكرها اللّه سبحانه وتعالى بهذه الصفة لتوجيه النظر إليها ، ولبيان أنها أعلى منازل التقوى ، وأنها تنال بها محبة اللّه تعالى ، والإحسان معناه الإتقان والإجادة ، وهو يطلق في عبارات القرآن الكريم بإطلاقين أحدهما أن يراد به الإجادة المطلقة في كل ما يطالب اللّه تعالى به عباده ، ومن ذلك قوله تعالى : إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ( 30 ) [ الكهف ] ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم في إحسان العبادة : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 2 » . والثاني أن يكون العمل أكثر من المكافأة ، فهو لا يكافئ بالعدل بل يزيد ، ومن ذلك قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ . . . ( 90 ) [ النحل ] ، وقوله تعالى : وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ . . . ( 77 ) [ القصص ] ، والإحسان بالإطلاق الأول يتعدى بنفسه ويذكر بجواره العمل ، والثاني يتعدى ب « إلى » ويذكر بجواره المحسن إليه ، وأقرب الإطلاقين في

--> ( 1 ) رواه البخاري : المناقب - صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم ( 3269 ) ، ومسلم : الفضائل - مباعدته صلى اللّه عليه وسلم للآثام ( 2327 ) . ( 2 ) متفق عليه وقد سبق تخريجه من رواية البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .