محمد أبو زهرة

1415

زهرة التفاسير

الآية الكريمة هو الثاني ، فإنها تومئ إلى أن البر التقى يكظم غيظه ، ويعفو عمن ظلمه بل يحسن إليه إن كان للإحسان موضع ، وإن اللّه سبحانه وتعالى أمر أهل الفضل بألا يذهب غيظهم بإحسانهم فقد قال تعالى : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ . . . ( 22 ) [ النور ] فقد نزلت هذه الآية عندما حلف أبو بكر ألا يعطى بعض قرابته الذين خاضوا في حديث الإفك بالنسبة لعائشة زوج رسول اللّه وإن هذه الدرجة هي أقصى ما تصل إليه السماحة البشرية ، وهي لا تكون إلا لنفس محبة للناس ، ولذلك كانت المكافأة هي حب اللّه تعالى : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ هذا هو الوصف الخامس من أوصاف المتقين الذين أعدت لهم الجنان التي عرضها كعرض السماوات والأرض ، والفاحشة هي المعصية الزائدة التي تكون خارجة على مقتضى الطبيعة الإنسانية الفاضلة ، وقد غلبت على الزنا ، وبذلك فسر بعض العلماء الفاحشة هنا ، وعلى هذا الرأي يكون المراد من قوله تعالى : أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ كل ذنب غير المعصية ، وقال آخرون : الفاحشة الذنب الكبير ، وظلم النفس الذنب الصغير ، وبعض المفسرين يقول الفاحشة ما يتعدى أذاها إلى غيره ، وظلم النفس ما لا يتجاوز الأذى نفسه ، ويكون هذا كقوله تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ . . . ( 110 ) [ النساء ] وهذا كله على أن الفاحشة وظلم النفس أمران متغايران ؛ وبعض العلماء على أنهما وجهان للمعصية ، وأن كل معصية كبيرة فيها هذان الوجهان وتكون « أو » بمعنى « الواو » ، ويكون المعنى : من يرتكب فاحشة ويظلم نفسه ، ويتذكر اللّه عند ارتكابها فيعود إلى ربه يكون من المتقين ؛ وإلى هذا نميل ، والتعبير بصيغة الشرط إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ يفيد اقتران الجواب بالشرط ، أي أن ذكر اللّه يكون عند الارتكاب ولا يكون بينهما تراخ يجعل الشر يفرخ في النفس ، فالتوبة إلى اللّه تكون فور الارتكاب لا تراخى بينهما ولا يستمر في المعصية حتى تحيط به خطيئته ، وهذا ما صرح اللّه تعالى به في