محمد أبو زهرة
1407
زهرة التفاسير
الادخار ؛ لأن نظام المقايضة في هذه الأموال يؤدى إلى احتكارها في يد منتجيها ، ويريد الإسلام الاتجار فيها بتوسيط النقدين لكيلا يكون تغرير ولا غرر ، ولذلك قال بعض الصحابة للنبي صلى اللّه عليه وسلم : عندي تمر وأريد رطبا ، فقال عليه الصلاة والسلام : « بع التمر واشتر الرطب » « 1 » . ولا شك أن ذلك يمكن من ليس عنده تمر ولا رطب من أن يأكل ، ولأن السعر يكون مضبوطا ، وتحريم المقايضة في الذهب والفضة إلا بالمثل لأنهما مقاييس لضبط قيم الأموال فلا يصح أن تكون موضع اتجار حتى لا يقيد التقويم . وربا الجاهلية المنصوص عليه في الآية يحرم كل زيادة قلت أو كثرت ، أيا كان سبب الدين ، إذ يقول سبحانه في آخر البقرة وهي آخر آيات الربا نزولا : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ( 279 ) [ البقرة ] . وقد ادعى بعض الذين يريدون أن يطوعوا الشريعة لتخضع للنظام الربوي اليهودي القائم - أن ربا القرآن هو ربا الديون الاستهلاكية أي الديون التي تقترضها لغرض : ليأكل أو ليسكن أو ليشترى ثيابا ، وذلك قول باطل . لأن تخصيص عموم القرآن لا يكون بالتحكم في عباراته ، بل يكون تخصيصه بنصوص ، أو بقواعد مستمدة من نصوص الدين عامة ، ولأن العرب لم تكن حياتهم عريضة ، ؛ لأن عيشهم كان ساذجا ولم يكن معقدا ، إذ حياتهم تقوم على التمر واللبن وسكنى الأخبية ، فلما ذا يكون الاقتراض للاستهلاك ؟ ! ولأن ربا الجاهلية كان حيث التجارة ، فقد كان في مكة والمدينة وهما يتجران كما هو ثابت في التاريخ إذ ينقلان بضائع الروم إلى الفرس ، وبضائع الفرس إلى الروم عن طريق القواقل في الصحراء ، وقد قال اللّه تعالى : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ( 1 ) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ ( 2 ) [ قريش ] ، ولأن الدائنين الذين كانوا يرابون في الجاهلية لا يتصور منهم أن يجيئهم محتاج للمال ينفقه في حاجاته الضرورية
--> ( 1 ) روى الترمذي : البيوع - ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة ( 1146 ) .