محمد أبو زهرة

1408

زهرة التفاسير

فيمتنع عن إعطائهم إلا بربا ، فهذا العباس الذي كان يسقى الحجيج جميعا نقيع الزبيب والتمر لا يتصور منه أن يجئ إليه محتاج ، فلا يعطيه إلا بفائدة ، إنما يتصور أن يعطى تاجرا يتجر في ماله ولا يحد له الكسب إلا بزيادة محدودة مستمرة لا بنسبة من الربح ؛ ولأن المدينين الذين جاءت الأخبار بذكرهم لم يكونوا من الفقراء ، بل كانوا من التجار ، فبنو المغيرة الذين كانوا مدينين لبعض ثقيف هم تجار لا فقراء . وبهذا يتبين أن تحريم الربا في الإسلام لإيجاد نظام اقتصادى تمنع فيه الأزمات ، وقد بينا ذلك من قبل في عدة بحوث ومقالات ، ولذا قال سبحانه : وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . أي اجعلوا بينكم وبين غضب اللّه تعالى وقاية ، فأطيعوه في أوامره ونواهيه ، ولا تحاولوا التخلص منها بما تزعمون من أوهام لا أصل لها ، فلا تأكلوا الربا ، ولا تعينوا عليه ، ولا تحرفوا الكلم عن مواضعه ، لعلكم تفلحون ، أي لترجوا أن تنالوا الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة ، وهذه إشارة إلى أن تحريم الربا فيه صلاح الدنيا ، وأن أولئك الذين يزعمون أن المصلحة في إباحته في عصرنا ويتأولون الشريعة ليخضعوها لتلك المدينة الآثمة ، واهمون في معنى المصلحة ، لأن علماء الاقتصاد يقررون أن نظام الفائدة هو سبب الأزمات ، وهو نظام مؤقت حتى يجدوا ما يحل محله ، وعندنا نظامنا ، وأكثر البلاد الخاضعة للنظام الروسى أو آخذة به حرمته ، والاشتراكية الوطنية الألمانية قبل الحرب حرمته ، ولم يضر مصلحتها شئ ، بل حمت مصالح البلاد : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ أي اجعلوا بينكم وبين النار التي أعدها اللّه تعالى للكافرين وقاية من الطاعة ، ولا تنحرفوا عن الشرع ومقاصده إلى أهواء الكافرين ومنازعهم ، وقد اقترنت هذه الآية بآية تحريم الربا لتهديد المعاندين أو الذين يمارون في الشرع ويجادلون فيه ، وهذا كقوله تعالى في آية تحريم الربا في البقرة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 278 ) فَإِنْ