محمد أبو زهرة
1405
زهرة التفاسير
بعد أن أشار سبحانه إلى أن التفرق وعدم الطاعة للرسول كان سببا للهزيمة يوم أحد ، والتعاون والاتحاد كان أساس القوة والنصر والتأييد من اللّه تعالى يوم بدر أخذ يبين أن قوة الأمة تكون بالتعاون . ولعل أبعد الأمور عن معنى التعاون - الربا ، ولهذا نهى اللّه سبحانه وتعالى عن الربا في هذا المقام ؛ فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً . ولقد ذكر القفال - من علماء الشافعية - أن بين هذه الآية الناهية عن أكل الربا أضعافا مضاعفة ، وغزوة أحد مناسبة ظاهرة ، وذلك أن المشركين في غزوة أحد أنفقوا على عساكرهم أموالا كثيرة جمعوها من الربا ، ولعل ذلك يدعو بعض المسلمين إلى الإقدام على الربا ، حتى يجمعوا المال وينفقوه على العسكر ويتمكنوا من الانتقام منهم ، فلا جرم نهاهم عن ذلك . لقد ابتدأ اللّه سبحانه وتعالى الآية بالنداء بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لبيان أن أكل الربا ليس من شأن أهل الإيمان ، وإنما هو من خواص أهل الكفر والعصيان ، فإذا كان المشركون يأكلون الربا ويتقوّون به ، ويكاثرون أهل الإيمان بأموالهم التي اكتسبوها من السحت فليس لأهل الحق أن يجاروهم ، بل عليهم أن يحرموه على أنفسهم ، ولا يأكلوا إلا حلالا طيبا . و « الربا » معناه الزيادة ، والمراد بها هنا الزيادة على الدّين ، وهو ربا الجاهلية ، ذلك أن الرجل منهم كان يكون له على رجل منهم مال فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه ، فيقول المدين : أخر عنى دينك . ولقد قال عطاء : كانت ثقيف تداين بنى المغيرة في الجاهلية ، فإذا حل الأجل قالوا : نزيدكم وتؤخرون ، ولقد قال زيد بن ثابت : إنما كان ربا الجاهلية في التضعيف يكون للرجل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول : « تقضينى أو تزيدني » . وبهذه الأخبار الصحاح تبين أمران أولهما : أن ربا الجاهلية كان أساسه الزيادة في الدّين للزيادة في الأجل من غير نظر إلى سبب الدّين ، وأن هذا الربا