محمد أبو زهرة
1404
زهرة التفاسير
الرأي الذي نقله ، ويقرر أن السياق يؤدى إلى هذا ، لأن هذا تفسير لقوله تعالى من قبل : أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ، إذ تكون المغفرة عند التوبة والعذاب عند البقاء على الظلم ، ويرمى الذي يسوغون الغفران لغير التائبين بأنهم يتصامون ويتعامون عن آيات اللّه فيخبطون خبط عشواء ! . والأمر في هذه القضية يرجع إلى أن المعتزلة يقررون أن الذنب لا يغفر إلا بالتوبة ، لصدق وعد اللّه ووعيده وقد وعد المتقين والتائبين بالثواب ، وأوعد الظالمين بالعقاب ، واللّه سبحانه وتعالى منجز وعده ووعيده ، وأكثر العلماء على أن اللّه تعالى وصف نفسه بالغفران ، وقال : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ . . . ( 48 ) [ النساء ] ولقد ذيل سبحانه وتعالى النص الكريم بقوله : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وصف سبحانه وتعالى ذاته العلية بصيغة المبالغة في الغفران ، فقال « غفور » أي كثير المغفرة يحبها ويريدها ، وهو رحيم ، والرحمة أوسع معنى وأشمل من مطلق التجاوز عن الذنب ، بل إن الرحمة قد تعم العقاب كما تعم الثواب ، فاقتران الرحمة بالغفران يدل على ثلاثة أمور . أولها : أن اللّه تعالى لا يكتفى بغفران الذنوب عن العصاة التائبين ، بل يثيبهم على ما يفعلون من حسنات ، وإن الحسنات عنده سبحانه وتعالى يذهبن السيئات . ثانيها : أن الغفران من الرحمة ، وما دام من الرحمة فلا قيد يقيده ، واللّه أعلم بمن يكون موضع رحمته ، ومكان مثوبته . ثالثها : أن العذاب للمصر على الذنب الذي يعيث في الأرض فسادا ، ويفتن الناس عن دينهم يعد من الرحمة ؛ لأن رحمة اللّه تعالى عامة لا خاصة ، ومن الرحمة بالعامة عقاب العصاة المفسدين ، وثواب الطائعين الأبرار .