محمد أبو زهرة

1403

زهرة التفاسير

وقوله تعالى : فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ تعليل لعذابهم عند إصرارهم ، فالسبب في التعذيب بعد هذا الإصرار أنهم ظالمون ، لأنهم اعتدوا على المؤمنين ففتنوهم عن دينهم الذي ارتضوا ، واعتدوا على النبي صلى اللّه عليه وسلم بإيذائه والسخرية منه ، واعتدوا مرة ثالثة بقتال المؤمنين ، ومحاولة اقتلاع مدينتهم الطاهرة ، واعتدوا على الحقائق فموهوها وزيفوها ، واعتدوا على أنفسهم فأضلوها وأفسدوها ؛ اعتدوا كل هذه الأنواع من الاعتداء فكانوا ظالمين ومستحقين للعذاب ، وقد أكد سبحانه وتعالى وصفهم بالظلم ب « إنّ » المؤكدة للحكم ، وبالجملة الاسمية ، وبوصفهم بالظلم كأنه شأن من شؤونهم وطبيعة في نفوسهم ، إذ لم تهدهم إلى الحق الحجج الدامغة ، ولا الآيات البينة ولا القوة الغالبة . وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ هذا تأكيد للنفي السابق في قوله تعالى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ إذ الأمر في السماوات والأرض كله للّه تعالى ، وسلطانه تعالى على ما في السماوات والأرض سلطان المنشئ والمدبر والمالك والعالم بماضى ما فيها وحاضره ومستقبله ، خلق كل شئ فقدره تقديرا ، وهو يعلم بما يجرى فيه ، وما سيكون من شأن له في المستقبل فهو علام الغيوب الذي لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ، وإذا كان كذلك فلا سلطان لأحد سواه ، وليس لأحد مهما أعلى اللّه تعالى منزلته ، واختصه بفضله ورحمته ، شئ من الأمر ، وهو سبحانه وتعالى يعلم توبة التائب قبل أن يتوب ، وإصراره على الذنب قبل أن يموت ، وهو الذي يغفر إن شاء ، ويعذب من يشاء ، ولذا قال بعد ذلك للدلالة على كمال سلطانه : يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ . وسلطانه تعالى في هذا مطلق لا قيد يقيده ؛ لأنه الحكم المطلق الذي لا يرد حكمه ، والقادر المهيمن القاهر فوق عباده ، ولقد قيد الزمخشري الغفران بالتوبة ، ويقول في ذلك : ( عن الحسن البصري ) يغفر لمن يشاء بالتوبة ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين ، ويعذب من يشاء ) ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين لعذابه ، وعن عطاء : ( يغفر لمن يتوب إليه ، ويعذب من لقبه ظالما . . ) ويشير إلى اختيار ذلك