محمد أبو زهرة

1399

زهرة التفاسير

فلا تكون ثمة حاجة لعدد من الملائكة ألفا أو ثلاثة آلاف أو خمسة آلاف ، وإنما المراد تقوية القلوب والعزائم . هذا ، وإننا ننتهي من هذا إلى أن الملائكة وهي الأرواح المطهرة نزلت ، وامتزجت بأرواح أولئك الصديقين الأطهار في يوم بدر ، وكان النصر من عند اللّه تعالى . وأن الأرواح الطاهرة من الملائكة قد تلابس أرواح أمثالها ، ولا دليل من العقل يمنع وقد قام الدليل من النقل ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ أي وما جعل اللّه تعالى ذلك الوعد الذي ساقه على لسان رسوله لكم إلا تبشيرا لكم بالنصر إن أخذتم الأهبة ، وسلكتم الجادة واستقمتم في إطاعة القائد الحكيم ، والمدبر العظيم ، وقد كنتم في حاجة إلى هذا الوعد ، إذ أصاب بعضكم الوهن عندما رجع المنافقون بجموعهم وهم ثلث الجيش يقولون : « لو نعلم قتالا لاتبعناكم » حتى لقد همت طائفتان منكم أن تفشلا ؛ ولذلك قال تعالى : وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ فهذا الوعد الإلهى الذي جاء على لسان النبي الأمى كان للتبشير بالفوز إن صبروا واتقوا ، ولتطمئن قلوبهم به وليذهب فزع الذين أصابهم الفزع عندما كان من المنافقين ما كان . ولقد يقول قائل : كيف تكون البشرى مع أن النتيجة لم تكن نصرا ، والبشرى يكون فيها الفوز ولا فوز هنا ، واللّه سبحانه وتعالى لا يتخلف قوله ولا وعده ؟ ونقول في الجواب عن ذلك : إن تلك البشارة مقرونة بشرطها من جانبهم وهي أن يتقوا ويصبروا ، وما صبروا أو على الأقل ما صبر الرماة منهم لأنهم ما ضبطوا أنفسهم ، بل خالفوا نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، واتبعوا هواهم فكان ما كان ، وفوق ذلك فإن البشرى قد تحققت في أن اللّه تعالى ألقى في قلوب المشركين الرعب عندما تلاوموا فيما بينهم بعد أن أصابوا من المؤمنين قرحا ، وقال قائلهم : « لم تصنعوا شيئا ، أصبتم شوكتهم وحدهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم ، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم » وما زالوا حتى أجمعوا الكرة على المؤمنين ولكن