محمد أبو زهرة

1400

زهرة التفاسير

اللّه تعالى أركسهم وخذلهم ، وألقى في قلوبهم الرعب ، فرضوا من الغنيمة بالإياب . وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ هذا تقوية لمعنى البشرى ، ورد على كل الأوهام التي ثارت ، وفيها أمر لهم بالتفويض لربهم ، وأنهم إن كانوا قد أصابتهم جراح لأخطاء ارتكبوها ، ومخالفات للطاعة وقعوا فيها ، فإن اللّه تعالى لم يتخل عنهم ، ولا نصر إلا من عنده ، لأن كل شئ بيده ، وقد حرم المشركين من ثمرات ما فعلوا حتى عادوا من غير نصر نالوه ، وإنه يعدكم النصر منه متى أخذتم بالأسباب ، وتركتم عوامل الخذلان ، وقد وصف ذاته الكريمة بأنه عزيز حكيم ؛ لأن ذلك هو الذي يناسب المقام ، فاللّه سبحانه عزيز غالب قهار لا يغلب ، وهو حكيم لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، وقد وعد بالنصر ، فالنصر آت لا ريب فيه . لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ في هذا النص الكريم بيان لثمرات نصر اللّه تعالى ، وفيه يتبين أن نصر اللّه لعبادة المؤمنين ينته إلى غايات منها : أن يقطع طرفا من الذين كفروا ، وفسر العلماء ذلك بأن يقتل فريق منهم ويؤسر فريق ، فإن ذلك قطع لهم ، وعندي أن قطع طرف من الذين كفروا يتحقق بذلك ، ويتحقق بما هو أقوى منه ، وهو أن تنقص عليهم الأرض من أطرافها ، ويستولى على جزء من أرضهم ، حتى يتحقق قوله تعالى : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ . . . ( 27 ) [ الأحزاب ] . ومن غايات النصر ونتائجه أن يكبت اللّه تعالى الذين كفروا بسبب كفرهم ، والكبت يطلق بعدة معان ، فيراد به الرد العنيف ، ويراد به شدة الغيظ ، وقيل : إن أصله الكبد ، أي إصابة الكبد وتقريحه بالغيظ الشديد ، ويطلق ويراد به الخزي ، والمعنى أن من غايات نصر اللّه تعالى للمؤمنين أن يصاب الذين كفروا بالغيظ الشديد والخزي والألم النفسي ، حتى يخبو صوت الكفر ، ويعلو صوت الإيمان ، ويصيب الذين أجرموا صغار عند اللّه وعند الناس ينقلبون ، أي يعودون خائبين . وفي التعبير عن العودة بالانقلاب