محمد أبو زهرة
1393
زهرة التفاسير
[ المنافقون ] ويقول في وصف المؤمنين : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ( 55 ) [ المائدة ] ويقول تعالى : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ . . . ( 29 ) [ الفتح ] ؟ . والجواب عن ذلك أن الذلّة التي وصف بها المؤمنون قبل بدر هي مظاهرها من ضعف العدة ، وقلة العدد وقلة المال ، حتى إنه لم يكن معهم ظهر ، وقد خرجوا للقاء المشركين في بدر ، وقد قال الزمخشري في معنى كلمة أذلة : « والأذلة جمع قلة ، والذلان جمع الكثرة ، وجاء بجمع القلة ، ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلا ، وذلتهم ما كان بهم من ضعف الحال ، وقلة السلاح والمال ، والمركوب ، وذلك أنهم خرجوا على النواضح ، يعتقب النفر منهم على البعير الواحد ، وما كان بينهم إلا فرس واحد ، وقلتهم أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ، وكان عددهم في حال كثرة زهاء ألف مقاتل ، ومعهم مائة فرس والشكة والشوكة ) . فليست الذلة ذلة النفوس إنما هي ظاهر الحال وما كان فيه من ضعف . فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إذا كان النصر من عنده تعالى ، وهو ولى المؤمنين ، فعليهم أن يتقوه ، والتقوى معناها استشعار هيبته وجبروته وعظمته وقوته ، وأنه إن أراد بقوم خيرا فلا يستطيع أهل الدنيا أن يمنعوه ، وإذا أراد بقوم سوءا فلا يستطيع أن يمنعه من قوة اللّه تعالى ، فلا عزة إلا منه ، ولا ذلة إلا في عصيانه ، وأن التقوى على هذا المعنى توجب الشكر ، ولذلك قال بعد الأمر بالتقوى : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي اتقوا اللّه تعالى وهابوه ، وأقروا بأن الكبرياء له وحده في السماوات والأرض ، رجاء أن تشكروه بهذه التقوى ، والرجاء من العبيد لا من اللّه تعالى ، فهو الغنى الحميد ، فالتقوى هي في الحقيقة شكر اللّه تعالى ، لأنه سبحانه هو المنعم وهو المتفضل في كل ما يتعلق بالإنسان من نعم هذا الوجود ، وشكره أن تعرف حق ما أسدى ، وما تدل عليه النعم من جلال اللّه وعظمته ، فاللهم وفقنا لتقواك ، ليتحقق منا شكرك ، إنك أنت العلى الوهاب .