محمد أبو زهرة

1389

زهرة التفاسير

ولقد علم اللّه ما كان من المؤمنين والمنافقين من مناقشات عندما ساور المدينة المشركون في العام الثالث ، وأرادوا أن يثأروا من الدماء التي أصابتهم في بدر ، فقد جمع النبي صلى اللّه عليه وسلم أصحابه ليستشيرهم في الأمر ، أيخرجون إليهم ، أم يبقون حتى يجئ العدو إليهم في الديار ، فقال بعض المؤمنين : ( أقم يا رسول اللّه بالمدينة ، ولا تخرج إليهم ، فو اللّه ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه ، فكيف وأنت فينا ؟ فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس ، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة ، وإن رجعوا رجعوا خائبين ) . وعارض ذلك الرأي الأكثرون ممن لم يحضروا بدرا فقالوا : ( اخرج بنا يا رسول اللّه إلى هؤلاء الأكلب لا يرون أنّا قد جبنّا عنهم ) . وما زال أولئك الذين لم يحضروا بدرا بالرسول حتى نزل عند رأيهم ، وقد كان إلى الأول أميل . وتركهم وعاد إلى أهله ليلبس لأمة الحرب ، فتلاوم المسلمون فيما بينهم ، وقال قائلهم : بئسما صنعنا ، نشير على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والوحي يأتيه ؟ فلما جاء إليهم الرسول قالوا : اصنع يا رسول اللّه ما رأيت ، فقال الرسول صلى اللّه عليه وسلم ذو العزم : « ما كان لنبي لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم اللّه بينه وبين عدوه » « 1 » . وقد خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ألف من أصحابه ، وكان عدد المشركين ثلاثة آلاف ، وكان مع المسلمين طائفة من المنافقين ، على رأسهم عبد اللّه بن أبي ابن سلول ، فرأى أن يحدث الخلل في الصفوف فرجع ومعه نحو ثلاثمائة ممن على شاكلته وضعاف الإيمان ، وبرز تخاذله بأنه كان يرى ألا يخرج إليهم المؤمنون وأن يبقوا بالمدينة ، ومنهم من زعم أنه لا قتال ، وقالوا : لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ . . . ( 167 ) [ آل عمران ] .

--> ( 1 ) جاء في البخاري في ترجمة « باب قول اللّه تعالى وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ . وأحمد : باقي مسند المكثرين ( 14260 ) .