محمد أبو زهرة

1390

زهرة التفاسير

وقد ظهرت عداوة المنافقين ، وبرزت نياتهم ، وتكشفت سرائرهم ، حتى إن أعمى منهم قد مر النبي في بعض أصحابه بحائطه ( أي بستانه ) فأخذ يحثو التراب في وجوههم ، ويقول وقد أخذ حفنة بيده : لو أنى أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدره القوم ليقتلوه ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب ، أعمى البصر » وفي وسط تلك الزوبعة التي أثارها المنافقون بانشقاقهم عن الجمع وعودتهم إلى المدينة ألقوا الرعب في قلوب بعض الضعفاء ، حتى لقد هم بعض المؤمنين بالفشل ، وهذا هو ما يشير إليه قوله تعالى : إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما . الهمّ هو حديث النفس واتجاهها إلى أمر معين من غير تنفيذ ، فحديث النفس هو ما يأخذ طريق التنفيذ ، فإذا أخذ طريق التنفيذ فهو إرادة وعزيمة ، ومن ذلك قوله تعالى : وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا والفشل ضعف مع جبن ، ومن ذلك قوله تعالى : وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ . . . ( 46 ) [ الأنفال ] ومن ذلك أيضا قوله تعالى : حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ ومعنى النص اذكر أيّها النبي الكريم أنت وأمتك أثر إفساد المنافقين إذ اتخذتم منهم بطانة ، اذكر ذلك إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ، أي إذ حدثت نفسها طائفتان من المؤمنين لا من المنافقين أن تفشلا وتضعفا في وقت الشديدة والكريهة ، مع أن اللّه تعالى وليهما وناصرهما ، ومن يكون اللّه معه لا ينهزم إلا إذا خالف أوامر اللّه وأوامر نبيه وقائده الأعلى ، فذكر ولاية اللّه تعالى في هذا المقام لسببين : أحدهما : أن المنافقين استطاعوا أن يؤثروا في المؤمنين ذلك التأثير السيئ مع أن المؤمن يشعر دائما بولاية اللّه تعالى وعزته ، وأنه سبحانه وتعالى ينصر من