محمد أبو زهرة

1383

زهرة التفاسير

وأضمروا غيره ، أم كان من الذين لم يدخلوا في ضمن المسلمين ظاهرا ؛ إذ لا يمكن إلا أن يكون في قلبه حظ كبير من النفاق ما دام قد قبل أن يعمل خاصة وبطانة لمؤمن ؛ لأنه لا يمكن أن يصل إلى هذه المنزلة إلا إذا أبطن غير ما يظهر ، إن لم يكن في شؤون الاعتقاد ففي غيرها ، فمن كان شأنه كذلك يكون منافقا لا محالة . ويصح أن يكون المراد المنافقين الذين أضمروا الكفر وأظهروا الإسلام ، ويكون هذا واضحا ، ويؤيده قوله تعالى : وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا لأنهم يعلنون الإيمان ، ولكن واضح أيضا أن قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا . عامة تشمل المنافقين وغير المؤمنين ، فكيف نذكر بعد ذلك أوصاف المنافقين فقط ؟ والجواب عن ذلك أن النهى عام ، وقد ذكر التعليل خاصا بالمنافقين ، لأنهم الأقرب لئلا يعهد إليهم بخواص الأمور ، إذ هم يعلنون الإسلام ، ويبطنون غيره ، فهم مظنة أن يخدع الحاكم فيهم ، فدعاه القرآن الكريم إلى أن يتخير بطانته ، وغيرهم لسان حالهم ينفر منهم إلا إذا كان الأمير أو الحاكم ممن لا يحسنون الحكم ولا معرفة المصلحة . وعلى النظر الأول ، وهو أن يكون الكلام في قوله تعالى : وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا عاما لكل الكافرين يكون معنى : قالُوا آمَنَّا أنهم يظهرون الرضا بحكم الإسلام والاطمئنان إليه ، وأنهم يريدون قوة الدولة الإسلامية وعزتها ، فليس الإيمان على حقيقته ، بل معناه الرضا بقبول الحكم الإسلامي . ولا شك أن التخريج الآخر أوضح وأبين ومعنى وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ أن الحقد يأكلهم ولا يستطيعون إظهار الألم الشديد في حضرة المؤمنين ، فيدخرون إظهاره حتى إذا خلوا أظهروه في أقسى مظاهره ، وهي عض الأنامل من الغيظ ، والأنامل قيل هي أطراف الأصابع ، وقيل الأصابع نفسها ، والمغيظ المحنق دائما يعض الأنامل ، فهذا