محمد أبو زهرة
1384
زهرة التفاسير
مظهر لأعلى درجات الغيظ ، وإن لم يقع من بعض الناس بالفعل ، ولذا قال الشاعر : فأقتل أقواما لئاما أذلة * يعضون من غيظ رؤوس الأباهم « 1 » فهذا التعبير كناية عن بلوغ أقصى درجات الغيظ ، وفي هذا إشارة إلى أن من يكون إحساسهم نحو المؤمنين كذلك لا يصح أن يوثق بهم في مهامهم ؛ لأنهم منافقون ، والمنافق ليس جديرا بالثقة ، ولأنهم لا يسرهم من المؤمنين إلا أن يكونوا في خبال . وإنهم ما داموا لا يريدون إلا الشر بأهل الإيمان ، فإنه يجب أن يستمروا على حالهم من الغيظ ، لأن الخير فيما يغيظهم ، ولذا قال سبحانه : قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ابتداء ، ولكل مؤمن بالتبع له عليه الصلاة والسلام ، وقوله مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ظاهره الأمر بالموت أو الدعاء بالموت ، وحقيقته الدعوة إلى استمرارهم على غيظهم ما دام غيظهم سببه نجاح الإسلام ودعوته ، وعموم هدايته وصلاح شأن المسلمين ، فالأمر هنا طلب استمرارهم على غيظهم ، فالمعنى استمروا على غيظكم ، والاستمرار على الغيظ استمرار لسببه وهو نجاح الإسلام وقوته ، وصيغة الأمر هنا للتهكم عليهم . وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ لإفادة أن ما يبيتونه للمسلمين يعلمه اللّه ويحاسبهم عليه ويعذبهم ، فحالهم في الدنيا شر حال ، وفي الآخرة العذاب الأليم ، فلهم كمد الدنيا ، وعذاب الآخرة ، وقد جوز الزمخشري أن تكون تلك الجملة من مقول القول المأمور به في « قل » وأن تكون من قول اللّه تعالى ، والمؤدى واحد ، وهو أن اللّه عليم بالسرائر والضمائر ، وفيها تطيب لنفوس النبي والذين آمنوا بأن اللّه تعالى ناصرهم وكاشف أمر أعدائهم إذا أطاعوا أوامره ،
--> ( 1 ) الأباهم : جمع الإبهام .