محمد أبو زهرة
1382
زهرة التفاسير
وأهوائهم ، فمعنى إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ تدركون الأمور بعقولكم ، وإن ذلك لحق ، فما رأيت حاكما يتخذ خاصته من غير المؤمنين إلا إذا كان ممن غلبت عليه شهواته وأردته ودولته أهواؤه ، وما رأيت حاكما مسلما يتجنب هؤلاء إلا إذا كان ممن غلب عقله هواه ، وممن جنبه اللّه الزلل في الحكم . بعد هذا أخذ سبحانه يقابل بين إخلاص المؤمنين ، وحقد الكافرين الذين يتخذ بعض المسلمين منهم بطانة فقال : ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ . الإشارة إما أن تكون لعامة المؤمنين : من يتخذون بطانة من الكافرين ، ومن لا يتخذون ، ويكون المعنى ها أنتم أولاء أيها المؤمنون تحبونهم وترجون لهم الهداية والتوفيق ، والخير والرشاد ، وتؤمنون بالكتاب كله أي بالكتاب المنزل الذي يحوى شريعة اللّه تعالى التي لا تتغير ولا تتبدل ، فالكتاب هنا جنس للكتب المنزلة كلها ، وهم لا يحبونكم ولا يريدون الرشاد ، واستمرار الهداية ، بل يريدون إفساد أموركم . وإما أن يكون الخطاب للذين يخطئون ويتخذون منهم خاصة وبطانة ويطلعونهم على سر الأمور ، ويكون المعنى ها أنتم أيها الذين أخطئوا تحبونهم وتقربونهم وتجعلونهم خواص لكم وهم لا يحبونكم ، وأنتم أكمل إيمانا وأقوى يقينا ، لأنكم تؤمنون بالكتاب المنزل كله ، ففي ضمن إيمانكم التصديق بالصادق عندهم ، وهم ناقصو الإيمان ، فكيف تثقون بهم وهم منكرون جاحدون لما عندكم ؟ ثم ذكر سبحانه حالا لهم تكشف عن كراهيتهم وبغضهم ونفاقهم ، فقال سبحانه : وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ . هذا بيان لنفاقهم ، ولا يمكن أن يكون في بطانة المؤمنين إلا المنافق منهم ، سواء أكان من المنافقين الذين أعلنوا الإسلام في ظاهر أحوالهم وعامة شؤونهم