محمد أبو زهرة

1374

زهرة التفاسير

وقد أكد سبحانه وتعالى الحكم العادل بعدة تأكيدات : منها التعبير بالإشارة المتضمن السلب من كل قوة كانوا يعتزون بها ، ومنها ذكر مصاحبتهم للنار ، ومنها بيان قصرهم على النار لا يتجاوزونها ، ومنها ذكر الضمير ( هم ) فهو لتأكيد الحكم . وقد يقول قائل : لما ذا لا ينفعهم في الآخرة ما كانوا ينفقون من مالهم في الدنيا ، وقد كان منهم جود وسخاء ؟ بين اللّه سبحانه مغبة ذلك الإنفاق وعاقبته ، فقال تعالت كلماته : مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ وفي هذا التشبيه بيّن سبحانه أن هذا الإنفاق ليس خالصا من الضرر في ذاته ، فهو يحمل في ذاته ما يفسده ويجعله ضارا لا نفع فيه ، وشرا لا يمازجه خير ، فقد شبه سبحانه إنفاقهم في هذه الحياة من حيث اشتماله على الضار ، وعدم إثماره وإنتاجه ، بالريح التي لا ترسل لواقح ، ولا تكون نسيما عليلا تلقى في النفوس بالبشر والحبور ، ولا تكون ريحا يحمل للزرع عوامل النماء إذ يكون فيها غذاء ، بل يكون فيها ما يميت الزرع والضرع ، وهي الريح التي يكون فيها صرّ ، والصر معناه البرد الشديد المميت للنبات ، ومعنى اشتمالها على الصر وصفها به أي أنها ريح صر فهي ريح قارة باردة مهلكة مفنية وليست منمية مبقية ، وهنا يرد سؤال : لما ذا ذكر الصر على أنه في الريح وأنها مشتملة عليه ، وهي له ظرف وهو مظروف ؟ وقد أجاب الزمخشري عن ذلك بأنه ضرب من ضروب المبالغة ، وبأن « صر » مصدر في أصله فجىء به على أصله ، كما تقول : ثوب فيه جمال ، والكلام بمعنى جميل ، وقد خرج تخريجات أخرى ليست واضحة ونحن نرى أن التعبير بقوله تعالى : فِيها صِرٌّ يشير إلى أن الرياح فيها بطبيعتها رجاء ، ولكنها اشتملت على ما يذهب بخيرها ، وفي ذلك وصف من أوصاف من المشبه ؛ وذلك لأن الإنفاق في ذاته قد يرجى منه النفع ، ويظن فيه ، ولكنه اشتمل في ذاته ما يذهب بخيره ، ولا ينبت إلا باطلا ، وذلك أنه بمقاصده