محمد أبو زهرة
1375
زهرة التفاسير
التي لا يقصد بها وجه اللّه ولا نفع الناس ، ولكن يقصد التفاخر والتباهى والتنافر ، والاستطالة على الناس بفضول القول ، يذهب كل خيره ، فالتعبير بقوله سبحانه : فِيها صِرٌّ فيه إيماء إلى أن الأذى والضرر الذي لابس المشبّه وهو الإنفاق لم يكن من ذاته ، ولكن من قلب المنفق ونيته ، وغايته من الإنفاق ، وإن هذا الانفاق - كما قلنا وكما أشار النص القرآني الكريم - يحمل في ذاته موجب رده ، وقد بيّن سبحانه أنه ضار مؤذ في الشطر الثاني من التشبيه ، إذ قال سبحانه في وصف الريح : أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ . الحرث هو الزرع ، وأصل كلمة « حرث » فلح الأرض وإلقاء البذر فيها ، ثم أطلقت في مجاز مشهور على ما هو نتيجة ذلك وهو الزرع ، وقد أطلق على كل موضع يكون فيه إنتاج ولو لم يكن أرضا وزرعا ، كما قال تعالى : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . . . ( 223 ) [ البقرة ] . ومعنى التشبيه في جملته - كما دل على ذلك هذا النص الكريم والنص الذي سبقه - أن حال هذا الإنفاق الذي لم يقصد به وجه اللّه تعالى بل قصد به التفاخر وكسب الثناء وتحدث الناس بالعطاء ، كمثل الريح التي تكون باردة بردا شديدا يتوقع منها الناس الخير لزرعهم ، فتهلكه وتبيد خضراءه وتجعله حطاما ، والجامع في هذا التشبيه بين المشبّه والمشبه به هو أن كليهما كان يرجى خيره ، ولكن بما لابسه من ضر وأذى صار مؤذيا . وفي هذا التشبيه بيان أن الضرر لاحق بهم من هذا الإنفاق ؛ ولا حق بالناس ، لأنهم كانوا يعينون به على الشر ، إذ كانوا ينفقونه في محاربة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وإيذاء المؤمنين ؛ وهو سبب في استعلائهم واستكبارهم ، ولو حرموا المال والإنفاق لكان خيرا لهم . في النص القرآني إشارة إلى أن اللّه سبحانه وتعالى يعاقب بالريح من يظلمون أنفسهم بارتكاب المعاصي ، فقال سبحانه : أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ، فإن هذا النص السامي يومئ إلى أن اللّه تعالى يرسل في الدنيا عقابا