محمد أبو زهرة
1373
زهرة التفاسير
وإن اللّه سبحانه إذ قد حكم بذلك ، وهو أن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من اللّه شيئا ، فقد أشار إلى أن السبب في ذلك كفرهم ؛ لأن التعبير بالموصول يشير إلى أن سبب هذا الحكم هو الكفر . ولما ذا اعتبر النص الكريم الكفر سببا لعدم غناء الأموال والأولاد ، مع أن طبيعة هذا الوجود تجعلها غير مغنية مؤمنا أو كافرا ؟ والجواب عن ذلك أن المؤمنين لا يعتقدون أن أموالهم وأولادهم تغنى عنهم من اللّه شيئا ، فلم يكن ثمة حاجة للنفي بالنسبة لهم ، وفوق ذلك فإن المؤمنين يتخذون من الأموال والأولاد سبيلا لرفع منار الحق وعزته ، فهي تكفيهم بعض الكفاء ، وإن كانت لا تغنيهم عن اللّه تعالى ، ولأن كلمة « تغنى » في معناها دفع الأذى ، واللّه سبحانه وتعالى منزل الأذى بالكافرين عقابا لجرائمهم ولشرورهم ، وما تعرض المؤمن لهذا الأذى ، فلا حاجة لهذا الدفع . وفي ذلك النص السامي بحث لفظي ، وهو تكرار النفي في قوله تعالى : أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ف « لا » هنا تفيد ثلاثة أمور : أولها - مزيد تأكيد للنفي الثابت ب « لن » . وثانيها - أن تكرار « لا » يفيد أنهم كانوا يعتزون بالأموال والأولاد مجتمعين ويعتزون بأحدهما منفردا ، فنفى سبحانه وتعالى الغناء عنهما مجتمعين ومنفردين أيضا . وثالثها - أن المال يكون قوة في مواضع ، والولد يكون قوة في مواضع ، فتكرار النفي يستبين أنه لا قوة تدفع مقت اللّه وغضبه لا من المال ولا من الولد . وقد بين سبحانه تبعد ذلك عذاب اللّه تعالى الواقع الذي ليس له من دافع ، ولا يغنى فيه المال ولا الولد ، فقال تعالى : وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ : الإشارة هنا إلى الذين كفروا ، ليس لهم أمام اللّه ولى ولا نصير ، ولا عون ولا دفاع ، فاللّه سبحانه وتعالى يحكم عليهم وهو خير الحاكمين بأنهم أصحاب النار الخالدون فيها . فمعنى المصاحبة هنا الملازمة الدائمة المستمرة ، و « لعل » في هذا التعبير إشارة إلى أنهم بعد أن كانوا يصطحبون في الدنيا أموالهم مفاخرين بها وأولادهم مستنصرين بهم ، يصاحبون بدلهم في الآخرة نار اللّه الموقدة ، وعذابه الأليم ، وبعد أن تركوا نعيما غير مقيم استقبلهم شقاء دائم مستمر .