محمد أبو زهرة
1372
زهرة التفاسير
حطام الدنيا وما فيها ، وقد أشار إلى هذه الأموال وأولئك الأولاد ببيان أنها لن تغنى عنهم من اللّه شيئا ، ولذا قال سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً . يقال : أغناه عن هذا الأمر فلان أي كفاه ، ومن ذلك قوله تعالى : ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ( 28 ) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ( 29 ) [ الحاقة ] وقوله تعالى : ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ( 207 ) [ الشعراء ] وقوله تعالى : لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً . . . ( 23 ) [ يس ] وهي في كل هذا بمعنى لا يكفى عنه ، وهي هنا من هذا الاستعمال ، فمعنى قوله تعالى : لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً لن تكفى عنهم بدل اللّه شيئا من الغناء ، فمن هنا هي التي تستعمل بمعنى بدل ، والغناء يتضمن هنا أمرين : أحدهما سد الحاجة ، والثاني دفع الأذى ، وإن اللّه سبحانه وتعالى قد قرر أن هؤلاء الكفار لن تدفع عنهم أموالهم أذى ، ولن تسد عنهم حاجة قط ، في وقت هم في أشد الحاجة إلى معونة ، وقرر ذلك بصيغة التأكيد ، وذلك بالتعبير ب « لن » لأن « لن » تفيد تأكيد النفي . وإن أولئك الكفار ما كانوا يعتزون إلا بالمال والولد ، فهذا قائلهم يقول : أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً ( 34 ) [ الكهف ] . ولقد كانوا يربطون بين المال وكل المعاني السامية ، فكانوا يظنون أن كل الخير وكل الفضائل للأغنياء ، وكل الرذائل للفقراء ، فلا يتصور من الأغنياء إلا الخير ، ولا يتصور من الفقراء إلا الشر ، ولقد أخذ منهم العجب عندما أرسل اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم وهو فقير ، فقد قال اللّه تعالى عنهم : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 ) [ الزخرف ] وفي هذا بيان خطأ نظرهم ، فالغنى والفقر لا يتجاوز كل منهما أنه قسمة اللّه تعالى للمعايش في هذه الحياة ، أما رفع الدرجات فأمر آخر ليس مرتبطا بالمال قلة أو كثرة ، ويشير إلى أن الرفعة تكون للفقراء ليسخر الأغنياء منهم ، فيزداد الأولون من اللّه قربا ، ويزداد الآخرون من اللّه بعدا .