محمد أبو زهرة
1368
زهرة التفاسير
الرأي الثاني : أن هذه الطائفة من أهل الكتاب ولم تعتنق الإسلام ، وكانت قبله أو بعده ولم تبلغها الدعوة على وجهها ، ولم تحرف التوراة أو الإنجيل أو لم تأخذ بالمحرف منهما ، وقد أثر ذلك الرأي عن بعض السلف ، فقد روى عن ابن عباس أنه قال في معنى أمة قائمة : « أمة مهتدية قائمة على أمر اللّه لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه » وروى عن قتادة أنه كان يقول في الآية : « ليس كل القوم هلك ، لقد كان فيهم بقية » . ويكون معنى قائِمَةٌ على هذا التفسير بمعنى مستقيمة مهتدية مؤمنة بالحق مذعنة له . وقد اختار التفسير الثاني الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فيما نقله عنه صاحب المنار ، فيقول : ( وظاهر أن هذا كالذي قبله في أهل الكتاب حال كونهم على دينهم ) . وآيات الكتاب التي يتلونها على ذلك هي البقية الصحيحة من كتبهم التي تشتمل على أدعية كلها توحيد وضراعة ونحو ذلك من أمثال بعض مزامير داود ، مثل ما جاء في المزمور الخامس والعشرين : ( إليك يا رب أرفع نفسي ، عليك توكلت ، فلا تدعني أخزى ، لا تشمت بي أعدائي ، كل منتظريك لا يخزون ، ليخز الغادرون بلا سبب ، طرقك يا رب عرفني ، سبلك علمني ، وربنى في حقك وعلمني ) . وأمثال هذه الأدعية والمناجاة لعلها البقية الباقية من تلك الكتب التي حرف فيها الكلم عن مواضعه . وعندي أن الآية الكريمة في أهل الكتاب الماضين الذين استقاموا على الحق ، ولم يدركوا عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك لأن القرآن الكريم تكلم عن ماضي أهل الكتاب وحاضرهم ، فحاضرهم كان سوءا ، وذكر ماضيهم فبين أن بعضه كان سوءا وكان منهم أمة مقتصدة ، فهذه الأوصاف في الأمة المقتصدة التي مضت ، ويصح أن تطلق على المخلصين من أهل الكتاب الذين لم يبلغوا دعوة الإسلام ، وكان فيهم إخلاص للحق وطلب له وإجابة لداعيه إن دعوا إليه ، ويكونون داخلين بالقياس على الماضين .