محمد أبو زهرة

1369

زهرة التفاسير

وقد ذكر سبحانه أوصافهم فقال تعالت كلماته : يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ هذا النص الكريم فيه بيان حال من أحوالهم ، وهي الحال الدائمة المستمرة التي جعلتهم مستقيمين على الحق مهتدين بهديه ، فإن الإيمان باللّه تعالى حق الإيمان يجعل المؤمن يذعن للحق ، ويخلص في كل ما يطلب ، ولا يحب الشئ إلا للّه ، ويكون اللّه تعالى سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، فلا يكون منه إلا ما يكون للحق جل جلاله ، وتكون كل مشاعره وأهوائه تبعا لأوامر اللّه تعالى ونواهيه . هذا هو الإيمان باللّه ، أما الإيمان باليوم الآخر ، فإنه يعرف به حقيقة هذه الدنيا ، وأنها لعب ولهو ، وزينة وتفاخر ، وأنه في هذه الحياة الآخرة يلقى اللّه سبحانه وتعالى ، وأنه إذ يلقاه يجد كل ما عمل من خير محضرا ، وما عمل من شر يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا ، وإذا عمل حساب ذلك اللقاء ما أقدم على شر إلا مضطرا أو لماما . وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ هذا هو العمل الذي يفيضون به على غيرهم ، ويشعرون بأن عليهم حقا بالنسبة للحق الذي أدركوه ، وهو أن يتواصوا بالحق ، ويتناهوا عن الباطل ، ويأمروا بالمعروف الذي تقره العقول ، ولا تنكره الفطرة المستقيمة ، فإن المؤمن المذعن للحق يدعو إليه ، ولا يسكت على باطل ولا يرتضيه ، وتلك صفة أهل الخير من أهل الكتاب ، وعلى عكس ذلك أهل الشر ، فإنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه . ولذا قال تعالى في أهل الشر منهم : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 ) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 79 ) [ المائدة ] . وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ هذه حال من أحوالهم المستمرة ، وهي أنهم في خير مستمر ، لا يجدون لحظة إلا يقومون فيها بخير ، ولا تلوح لهم فرصة خير إلا يقدمون عليها .