محمد أبو زهرة

1365

زهرة التفاسير

من اللّه وحبل من الناس ، وأنهم في غضب من اللّه ، وأن المسكنة قد ضربت عليهم إلى يوم القيامة ، فالصغار ملازمهم ، لا يفارقهم أبدا ، لأن الصغار والإيمان بالباطل متلازمان لا يفترقان . وقد ذكر سبحانه أن السبب في كل هذا أنهم كانوا يكفرون بآيات اللّه أي بأمارات الحق وأدلته التي يقيمها اللّه سبحانه وتعالى عليهم في كتبه وخلقه وعلى ألسنة رسله ، وأنهم لا يكتفون بجحود الحق بعد قيام البينات عليه ، بل يعتدون على الداعي إليه ، فيقتلون الرسل الذين ينادون به ، ويجاهدون دونه ، ولقد قال سبحانه وتعالى : وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ والحكمة في ذكر هذا أنهم لم يكونوا في اعتدائهم لهم أية شبهة حق ، ولذا نكر كلمة حق ، وقد بيّنا هذا من قبل ، ولما ذا كان ذلك الكفر ، وهذا الجحود المستمكن الذي يدفع إلى قتل الداعي إلى الحق ؟ ذكر سبحانه ذلك بقوله : ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ : أي أن الذي أورث في قلوبهم الجحود بالحق ، والتمادي في الباطل ، هو ارتكاسهم في المعاصي ، وتعودهم الاعتداء على الناس ، فإن المعاصي تنكت نكتا سوداء في القلب ، فإذا استمر الشخص عليها وضعت عليه أغلفة من الظلمة تمنع أن يصل الحق إليه ، فعمى القلب عن الحق وصم ، ولذا قال تعالى : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً . . . ( 25 ) [ نوح ] وقانا اللّه شر المعاصي ، وجعل قلوبنا تشرق بنور حكمته ، ووفقنا لقصد السبيل ، وجنبنا جائره ، إنه سميع الدعاء . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 113 إلى 115 ] لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( 113 ) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 114 ) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 115 )