محمد أبو زهرة
1366
زهرة التفاسير
هذا من إنصاف القرآن ، فهو لا يعمم حكمه إلا حيث يكون التعميم هو الحق الذي لا شك فيه ، وإن كان في قوم من هم جديرون بالثناء ذكرهم ، وكذلك كان الشأن في ذكر أهل الكتاب ، فيقول : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً . . . ( 75 ) [ آل عمران ] ويقول سبحانه : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( 159 ) [ الأعراف ] وفي هذه الآية يذكر بالخير العظيم طائفة من هؤلاء فيقول الحكم العدل تعالت كلماته : لَيْسُوا سَواءً . أي ليسوا متساوين في هذه الأعمال وتلك الأخلاق ، أو ليسوا متساوين مطلقا ، فليسوا جميعا أشرارا . وإن اللّه سبحانه وتعالى لم يخلق طائفة كبيرة من الناس اجتمعت على الشر اجتماعا مطلقا ، بحيث يرتضيه الجميع ويقصدونه ويريدونه ويبتغونه عامدين مريدين معتدين ، بل إن منهم الضال ، ومنهم المضل ، ومنهم الناطق بالحق الذي لا يجد داعيا ، أو يحمل على السكوت في وسط نكران الضالين ، ففي وسط طغيان فرعون ، وانقماع قومه في إرادته ، وجد مؤمن آل فرعون ، ينطق فيهم قائلا كما حكى اللّه تعالى عنه : وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ( 28 ) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ ( 29 ) [ غافر ] . وبعد أن ذكر سبحانه أنهم ليسوا سواء ، وقد ذكر أحوال أشرارهم ، أخذ يبين أحوال أخيارهم . مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ أي من أهل الكتاب الذين ذكرنا أوصاف الكثرة منهم - طائفة تؤم وتقصد موجودة حاضرة ليست ماضية خالية ، فمعنى قائمة على هذا موجودة ، وفسر الزمخشري