محمد أبو زهرة
1364
زهرة التفاسير
مِنَ النَّاسِ . ولذلك يصح أن يفسره بما هو أعم من الجزية ، فإن حبل الناس أوسع من معنى الجزية ، وإن ذلك يفسره بعض الوقائع التي تجرى في العصور الأخيرة ، فقد كانت لهم عزة وقتية بسبب اتصالهم ببعض الناس ، وتخاذل المسلمين عن الأخذ بحكم الكتاب والسنة والهدى الإسلامي ، ولكنه على كل حال استثناء ؛ لأن اللّه ضرب عليهم الذلة ، وإنه ليرجى أن يعود الإسلام كما بدأ في قلوب أهله ، فيتحقق وعد اللّه لهم ، إذا تحققت أسبابه . وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ أصل معنى « باء » ساوى ، فيقال باء فلان بدم فلان ، أي : ذهب وساواه ، ومن ذلك ما جاء في بعض أقاصيص العرب على لسان المهلهل أخي كليب : « بؤ بشسع نعل كليب » أي أنه لا يساوى إلا هذا ، ويطلق البواء بمعنى الإقامة ، ومنه المباءة والبيئة أي شكل الإقامة ، والمعنى الجملي أنهم قد صاروا في غضب ، ويعتبر هذا مباءتهم التي باءوا بها والتي هم يستحقون ، وقد ضربت عليهم المسكنة ، أي أحاطت بهم واستولت عليهم ، والمسكنة ضعف نفسي ، وصغار ينال القلب ، فيستصغر الشخص نفسه ، ويحس بهوانها مهما تكن لديه أسباب القوة متوافرة متضافرة ، والفرق بينها وبين الذلة أن الذلة هوان تجىء أسبابه من الخارج بأن يكون بفرض من قوى ، أو يكون نتيجة انهزام حربي ، أما المسكنة فهي هوان ينشأ من النفس لعدم إيمانها بالحق ، واتباعها للمادة ، وإن توارث الذلة قرونا طويلة يورث هذه المسكنة ، إن بواء اليهود والنصارى بغضب اللّه ، وضرب المسكنة عليهم ، لا استثناء فيه ، بل هو أمر مستمر إلى يوم القيامة ما داموا على حالهم ، ولا يغرنك ما عند النصارى وتقلبهم في البلاد ، بل انظر إليهم إن أصابت فريقا منهم هزيمة فإنهم يخرون للأذقان يبكون صاغرين ، مما يدل على أن المسكنة في طبيعتهم ؛ إذ عزة الحق قد فارقتهم . ثم ذكر سبحانه وتعالى السبب في استحقاق أهل الكتاب ذلك فقال تعالت كلماته : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ الإشارة إلى هزيمتهم المستمرة ، وأنهم لا يمكن أن ينتصروا ، وأن الذلة ضربت عليهم إلا بحبل