محمد أبو زهرة
1363
زهرة التفاسير
والإذعان والتعاون والتواصى بالحق ليعودن النصر ، فإنه وعد اللّه تعالى ، واللّه لا يخلف الميعاد . ولقد بين سبحانه حال الذين كذبوا بآيات اللّه تعالى ، ولم يذعنوا للحق بعد خذلانهم في كل مجال : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ أي أحاطت بهم الذلة كما يحيط السرادق بمن فيه ، وكما تحيط القبة بما في داخلها ، فهم في نشاطهم وحركتهم في ذلة ، لا ينتقلون من ذل إلا إلى ذل ، و أَيْنَ ما ثُقِفُوا معناها أينما وجدوا جماعات ووحدانا ، فجماعاتهم في ذلة ، وآحادهم في جبن ، ذلك بأنهم فقدوا الإيمان باللّه ، والاعتزاز بعزته ، فاعتمدوا على عزة من الناس ، ومن اعتمد على أن يستمد عزته من غير اللّه فهو الذليل ، فأولئك الذين فقدوا الإذعان لأحكام اللّه تعالى قد استعانوا بغير اللّه فحقت عليهم كلمة الذلة . ولقد استثنى سبحانه حالا يرتفعون فيها من الذلة فقال تعالى : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ . والحبل معناه في أصل اللغة ما يربط بين شيئين ، ويطلق على العهد ، وقد فسره جمهور المفسرين هنا بهذا المعنى وهو العهد ، فالمعنى لا ترفع الذلة عن هؤلاء اليهود إلا بعهد من اللّه تعالى وعهد من الناس ، وذلك العهد هو عقد الجزية الذي يربط بينهم وبين المسلمين ، فهو حبل من اللّه تعالى يصلهم بأهل الإيمان إذ هي بأمر اللّه تعالى ، والوفاء بها وفاء بعهد اللّه ورسوله ، إذ يقول سبحانه : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا . . . ( 91 ) [ النحل ] . والجزية أيضا حبل يربطهم بالمؤمنين ؛ إذ يكونون بهذا العهد بين المسلمين ، ترعى حقوقهم وتحفظ أموالهم ودماؤهم ، ويكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم . وهذا تفسير حسن ، وهو مشتق من قواعد الإسلام ذاتها وأحكامه المقررة الثابتة ، ولكن يلاحظ أن اللّه سبحانه قرر في الاستثناء أن حبل العزة هو حبل من الناس ، ولم يذكر أنه حبل من المؤمنين ؛ إذ يقول سبحانه : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ