محمد أبو زهرة
1362
زهرة التفاسير
المعطوف في قوله : ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ؟ ( قلت ) عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء ، كأنه قيل ثم أخبركم أنهم لا ينصرون ، فإن قلت : فأي فرق بين رفعه وجزمه في المعنى ؟ ( قلت ) لو جزم لكان نفى النصر مقيدا بقتالهم كتولية الأدبار ، فحين رفع كان نفى النصر وعدا مطلقا ، كأنه قال : ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوة ، لا ينهضون بعدها بجناح ، ولا يستقيم لهم أمر ، وكان كما أخبر حال بني قريظة ، وبنى النضير ، وبنى قينقاع ، ويهود خيبر ) . وكان العطف الخبرى ب « ثم » على مضمون الجملة الشرطية كلها ، وكان التراخي لتقرير عدم النصر ، إذ إنّ عدم النصر المطلق الذي يكون بالقتال وغيره ينشأ من توالى الانهزام ، إذ إن توالى الانهزام يلقى في قلوبهم بروح اليأس فلا تكون لهم من بعد ذلك نصرة في أية ناحية من النواحي . ذلك خبر اللّه تعالى ، وخبر اللّه تعالى صادق إلى يوم القيامة ، ولكن الذي نراه منذ قرون هو انهزام المسلمين ، وتوالى انتصار النصارى من أهل الكتاب ، بل إن بلية البلايا أن ينتصر اليهود ، فهل أخلف اللّه وعده ؟ ! كلا ، ما أخلف اللّه موعدا ، وإن وعد اللّه لحق ، وخبره صادق ، ولكن الذي تغير هو حال المسلمين ، فقد اشترطنا لتحقق نصر اللّه أن يكونوا مؤمنين باللّه حق الإيمان ، مذعنين لأحكامه حق الإذعان ، متعاونين فيما بينهم ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، فعندئذ يكونون أنصار اللّه تعالى : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 40 ) [ الحج ] . فهل كان المسلمون على هذا الشرط عندما انهزموا ؟ لقد تغيرت حالهم ، فلم يذعنوا لأحكام اللّه تعالى ، ونقص إيمانهم به ، ولم يتواصوا بالحق والصبر ، ولم يعودوا أشداء على الكفار رحماء بينهم ، بل صار بأسهم بينهم شديدا ، وأخذ يأكل بعضهم بعضا ، وبذلك تغيرت حالهم فغير اللّه تعالى بهم ، كما قال سبحانه : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ ( 11 ) [ الرعد ] . ولئن عادوا إلى الإيمان