محمد أبو زهرة

1361

زهرة التفاسير

وإن الشرط في نفى الضرر الذي يؤثر في الجماعة الإسلامية أن تكون مؤمنة باللّه حق الإيمان آخذة بتعاليمه مهتدية بهديه ، وأن يسودها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذي هو خاصتها ، ورباط وحدتها ، وإلا فإن الضرر البالغ يصيبها ؛ لأنها فقدت مشخصاتها ومكوناتها . ولقد بين سبحانه بعد ذلك حال أولئك الكفار من اليهود والنصارى مع المؤمنين الصادقي الإيمان : وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ هذه الحال التي ذكرها اللّه سبحانه تفصيل لبيان ما تضمنته الجملة السامية من قبل ، فإنها تضمنت أن هؤلاء لا يمكن أن يصيبوا المسلمين بضرر بليغ يبقى له أثر ، وإنه من تفصيل بعض ذلك أنهم ينهزمون في قتال المسلمين ، ومعنى قوله تعالى : وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ أنهم إن قاتلوا ينهزمون ، وعبر عن انهزامهم بتوليهم الأدبار ، لأن من ينهزم في ميدان القتال لا يقابل عدوه بوجهه ، ولكنه يطلب النجاة بالفرار ، ولسان حاله يقول : النجاء النجاء ، والتعبير عن الهزيمة بتوليتهم الأدبار ؛ فيه إشارة إلى جبنهم ، وأنهم يفرون فرارا أمام خصومهم ، وكذلك كان الشأن في قتال المسلمين الأولين للكفار اليهود والنصارى ، فقد قاتل المؤمنون بنى النضير وبني قريظة ويهود خيبر وغيرهم ، وكانوا يفرون فرارا ، وقد كتب اللّه على بعضهم الجلاء ، وعلى بعضهم الفناء ، وعلى بعضهم البقاء في ذلة ، وكذلك كان الشأن مع النصارى بالشام ومصر . وقد ذكر سبحانه وتعالى أنهم مع انهزامهم في القتال لا يمكن أن ينتصروا على المؤمنين ما دام المؤمنون على الشرط الذي ذكرناه ، ولذا قال سبحانه وتعالى مخبرا : ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ أي أنهم لا يمكن أن ينصروا أبدا ، وهذه الجملة خبرية ليس لها صلة لفظية بالجملة الشرطية ، فليست معطوفة على جواب الشرط ، فهي إخبار عن نفى الانتصار غير مرتبط بكونه في قتال أو غير قتال ، ولقد وضح الزمخشري في الكشاف هذا المعنى أكمل توضيح ، فقال : ( فإن قلت ؛ هلا جزم