محمد أبو زهرة

1360

زهرة التفاسير

بين اللّه سبحانه وتعالى في الآيات السابقة منزلة المؤمنين من غيرهم إذا أخذوا بأحكام الإسلام واهتدوا بهديه ، وكوّنوا منهم جماعة فاضلة تؤمن باللّه تعالى حق الإيمان ، وتذعن لشريعته حق الإذعان ، وتتواصى بينها بالحق والصبر ، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وبين أن ذلك هو عصام الأمة وجامع وحدتها ، والرابط بينها بأرسان « 1 » من الهداية الربانية ، فيستتر الشر ويختفى ، ويظهر الخير وينكشف ، وإن تلك المنزلة جعلها اللّه تعالى خير المنازل ، وبين سبحانه أن أهل الكتاب الذين عادوا المسلمين ، وهم يعلمون أنهم أهل الحق وأهل الإيمان لو آمنوا بما أنزل على الذين آمنوا لكان خيرا لهم ، ولكن آثروا مجافاة الحق على اتباعه ، وعداوة أهل الإيمان على موادتهم ، ولقد بين سبحانه من بعد أن عداوتهم لا تضر المؤمنين ضررا بليغا له أثر ، ما دام أهل الإيمان مستمسكين بما رفع منازلهم وأعلى درجاتهم ، ولذا قال تعالى : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً : في هذا النص الكريم بيان أن الذين أوتوا الكتاب ، ثم كفروا به وبالبينات لما جاءتهم ، لن يضروا المؤمنين ضررا يبقى أثرا في جماعتهم ، ويؤثر في قوتهم ، وإن وقع منهم أذى ؛ وذلك لأن الضرر قسمان : ضرر يترك أثرا في الأمة ، فيضعف قوتها ، ويوهن أمرها . وضرر لا أثر له : كالأذى بالقول أو الفتنة في الدين تتناول الآحاد ، أو محاولة التأثير في ضعاف الإيمان ، أو محاولة بث روح النفاق بين الجماعة من غير أن يعم ويشيع ، وقد نفى اللّه سبحانه وتعالى النوع الأول من الضرر نفيا مؤكدا بلفظ لَنْ فإنها تدل على تأكيد النفي باتفاق علماء اللغة ، وقال الزمخشري وطائفة كبيرة من اللغويين : إنها تدل على تأبيد النفي وعلى ذلك يكون الاستثناء متصلا ، ولا يكون منقطعا ، لأن الأذى مهما ضؤل نوع من الضرر ، وإن لم يبق أثرا .

--> ( 1 ) جمع رسن ، وهو الحبل . وقد سبق .