محمد أبو زهرة
1359
زهرة التفاسير
وقد نفى سبحانه عنهم الإيمان بأي شيء ، ولذلك لم يكن ثمة حاجة بعد هذا إلى نفى القيام بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ؛ لأن ذلك يقتضى الإيمان بالفضائل والمعاني الإنسانية ، وهم لا يؤمنون بشيء منها ، وإن ذلك ليس خيرا لهم في شئ ؛ لأنهم بذلك تنحل جماعتهم ، وتتفرق وحدتهم ، ونفى الإيمان عن أهل الكتاب ليس نفيا له عن الكل ، بل هو نفى عن الأكثر ؛ لذا قال سبحانه : مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ المؤمن هو المذعن للحق إذا قامت بيناته أو دلت أماراته ، وهو ينشأ عن استقامة القلب ، والتزام الجادة ، والاتجاه دائما إلى الطريق المستقيم بإخلاص ونزاهة نفس عن الهوى ، ولذلك كان غير المؤمن خارجا عن الاستقامة ، ولذا يسمى فاسقا ، باعتباره خرج عن منهاج الاستقامة ، وترك طريق الحق ، وسلك سبل الشيطان ، ويسمى كافرا باعتباره جحد الحق ، وستر ينابيع الإدراك في نفسه ، وناسب أن يذكر وصف الفسق بالنسبة لغير المؤمنين من أهل الكتاب ؛ لأنهم خرجوا عن منهاج الكتاب المنزل ، وفسقوا عن أمر ربهم وتركوه وراءهم ظهريا . وإن منهاج القرآن هو العدالة في الحكم دائما ، ولذا لم يصفهم كلهم بالفسق وإن كان قد عمهم ، بل وصف بعضهم وإن كان الأكثر ، ومثل ذلك قوله تعالى : مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ( 66 ) [ المائدة ] ولكن من هم المؤمنون ومن هم الفاسقون ؟ سنبين ذلك في تفسير الآيات الآتية ، واللّه سبحانه وتعالى هو وحده العليم بالصواب . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 111 إلى 112 ] لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ( 111 ) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 112 )