محمد أبو زهرة

1358

زهرة التفاسير

والأمر الثاني الذي يجب التنبيه إليه : أنه ليست الخيرية مرادفة للقوة ، فالخيرية هي أن يكون المجتمع فاضلا يقوم بحق العدل ، وأن يكون كل شئ فيه بقسطاس مستقيم ، وأن تسوده الأخلاق الكريمة والسلوك القويم ، وأما القوة فالأمر فيها لسيطرة المادة والغلبة والاستعداد الحربي ، وإنا نرى أقوى الأمم الآن أشدها انتهاكا لحرمات الفضيلة في داخلها وخارجها ، ومن الأمم الضعيفة ما يكون للفضيلة فيها موضع ، وللأمانة فيها سلطان ، وللحق فيها أنصار ، ولا شك أنها أقرب إلى الخير من تلك الأمم القوية ، وفي الجملة ، إن القوة تستمد من المادة إذا انفصلت عن الفضيلة ، والخيرية تستمد من الحق والعدل والفضائل الإنسانية ، والمساواة بين بنى الإنسان من غير عصبية جنسية أو إقليمية ، وهما في عصرنا الحاضر متمايزان لسيطرة المادة على الأقوياء ، وفقدانهم قوة الإيمان ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه . وقد قلنا : إن الإيمان باللّه يقتضى الإيمان بكل رسول إذا قامت الأدلة على رسالته ؛ ولذا نفى اللّه سبحانه وتعالى الإيمان عن بعض أهل الكتاب ، فقال تعالت كلماته : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ و « لو » هنا هي التي يقول عنها علماء النحو : إنها حرف امتناع لامتناع ، أي امتنع الخير فيهم لأنفسهم لامتناع الإيمان الكامل ، وقد ذكر نفى الإيمان عنهم مطلقا مع أنهم يقولون إنهم يؤمنون باللّه ، ويقولون : نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، وذلك لأنهم إذ لم يذعنوا لأحكام اللّه تعالى وأوامره - وقد فسروها على حسب أهوائهم ومنازعهم العصبية والجنسية ، واعتقادهم أنهم شعب اللّه المختار - قد فقدوا الإيمان ، إذ الإيمان كلّ لا يقبل التجزئة ، فليس بمؤمن باللّه من يكذب رسالة اللّه التي جاءت بها البينات ، وقامت عليها الدلائل ؛ وفي نفى الإيمان نفيا مطلقا ما يومئ إلى أن الذين يجعلون هواهم مسيرا لاعتقادهم وفكرهم لا يؤمنون بحقيقة من الحقائق إلهية كانت أو إنسانية .