محمد أبو زهرة

1354

زهرة التفاسير

قدسي : « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا » « 1 » . ويلاحظ أن النص القرآني لم ينف فقط الظلم عن اللّه سبحانه ، بل نفى عنه إرادة الظلم ، فهو أمر لا يليق بذاته ، ولا يتصور وقوعه منه . وإنه سبحانه وتعالى مالك كل شئ ، فهو مانح الحقوق ومعطيها وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ( 2 ) [ الفرقان ] ولذا قال سبحانه بعد أن نفى عن نفسه إرادة الظلم : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ كل ما في السماوات من أفلاك وأجرام ونجوم وكواكب وأبراج وعوالم لا يحصيها إلا خالقها هو للّه تعالى ، أبدعها على غير مثال سبق ، وأنشأها بإرادته ، نظم مسالكها وما يربطها بحكمته ، وكل ما في الأرض من سهل وجبل ، وصحراء وماء ، وأقاليم مختلفة ، ومزارع وأغراس تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ، وكل ما يحتويه باطنها من معادن سائلة ، وفلزات متماسكة ، وأحجار تبهر الأنظار ، ملك للّه تعالى أبدعه وأنشأه ، وإذا كان هو المبدع المنشئ لكل ذلك ، وهو الذي وضع لكل شئ نظامه المحكم ، وسيره المنظم ، فإنه لا يتصور منه سبحانه أن ينقص شيئا أو حقا ، أو يضع أمرا في غير موضعه ، فهو خالق النظم ، وخالق الأوضاع ، والمسيطر على كل شئ . وكما أن المبدأ منه فالعود إليه سبحانه ، ولذا قال سبحانه : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ فكل أمر ونظام مرد بقائه وإنهائه إليه ، كما كان إبداعه وإنشاؤه منه ؛ وكل تصرفات الناس راجعة إليه يوم القيامة ، وهم محاسبون عليها ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، فهو مالك الميزان والقسطاس المستقيم في الدنيا وفي الآخرة .

--> ( 1 ) جزء من حديث قدسي رواه مسلم : البر والصلة والآداب - تحريم الظلم ( 2577 ) ، عن أبي ذر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة تبارك وتعالى .