محمد أبو زهرة

1355

زهرة التفاسير

وإن اللّه سبحانه قد نفى عن ذاته الكريمة إرادة الظلم ، وبين أنه يضع الأمور في مواضعها ؛ ليصحح الأفهام التي تتوهم أن النبوة تكون في قبيل دون قبيل ، ولبيان أن كل شئ له ميزان ومقياس ، وأن رقى الأمم ورفعتها يكون بميزان ثابت ، وأن اللّه تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وإذا أراد اللّه بقوم سوءا فلا مرد له ، وأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ما كان في أمة إلا وقاها الآفات الاجتماعية ، وأنه لا تتركه أمة إلا تردت في مهاوى الفساد ، وأدال اللّه من قوتها ، ذلك هو الميزان الذي وضعه العلى القدير لرفعة الأمم ، ولذا قال سبحانه في وصف الأمة المثلى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والخطاب في هذه الآية للمؤمنين الذين تلقوا الوحي من النبي صلى اللّه عليه وسلم والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين ، و « كان » في قوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ يصح أن تكون بمعنى وجد ، أي وجدتم خير أمة لهذه الأوصاف ما تحققت فيكم ، ويصح أن تكون ناقصة ، ويكون المعنى قدرتم في علم اللّه تعالى خير أمة إن قمتم بهذه الأمور ، ويصح أن تكون بمعنى صار ، أي تحولتم معشر المؤمنين الذين عاصرتم النبي صلى اللّه عليه وسلم من جاهليتكم إلى أن صرتم خير أمة أخرجت للناس بسبب الإيمان والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ونحن نميل إلى أن تكون بمعنى وجد أو ناقصة ، والمعنى فيهما متقارب ، ليشمل النص المخاطبين بتلك الحقائق في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ومن يجيئون بعدهم ويتبعونهم بإحسان إلى يوم القيامة . وإن هذه الخيرية التي قدرها سبحانه لهذه الأمة منوطة بتحقيق أمرين أحدهما : الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والثاني : الإيمان المطلق باللّه والإذعان له وتفويض الأمور إليه بعد الأخذ في الأسباب ، واعتقاد أنه لا قوة في هذا الوجود غير قوته ، ولا معبود بحق سواه ، ولا خضوع لأحد كائنا من كان غيره تعالت قدرته ، فليست الخيرية التي خاطب اللّه بها المهاجرين والأنصار والذين يتبعونهم ؛ لأنهم مسلمون فقط ، أو لأشخاصهم وذواتهم ، بل لأنهم متصفون