محمد أبو زهرة

1345

زهرة التفاسير

أحدهما موجه إلى الأمة كلها ، وهو إعداد هذه الطائفة التي تقوم بالإرشاد العام والتوجيه الفكري والنفسي ، وتزويدها بكل ما يمكنها من أداء مهمتها ، والقيام بالواجب عليها على الوجه الأكمل ، وثاني الواجبين هو واجب هذه الطائفة التي تكونت ، والوجوب عليها أخص من الوجوب الأول ، وكذلك الشأن في كل الفروض الكفائية ، فيها وجوبان : وجوب خاص على من عندهم الأهلية الخاصة للواجب الكفائي ، ووجوب عام على الأمة كلها ، وهو تمكين هؤلاء الخاصة من القيام بواجبهم وتزويدهم بما يحتاجون إليه . وقد رجح الزمخشري أن تكون ( من ) تبعيضية ، وقال في ذلك « من » للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الكفايات ، ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر ، وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته ، وكيف يباشره ، فإن الجاهل ربما نهى عن معروف ، وأمر بمنكر ، وربما عرف الحكم في مذهبه ، وجهله في مذهب صاحبه ، فنهاه عن غير منكر ، وقد يغلظ في موضع اللين ، ويلين في موضع الغلظة ، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا ، أو على من الإنكار إليه عبث ، كالإنكار على الجلادين وأضرابهم ) . والأمة التي تقصد وتكون من صفوة الأمة لها عملان متمايزان بنص الآية ؛ أحدهما : الدعوة إلى الخير ، وثانيهما : الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . أما الأول فهو توجيه الأمة إلى النفع العام ، فالخير هو كل أمر نافع في الدنيا أو في الآخرة ، كتنظيم الاقتصاد ، وترتيب العمران ، وتنظيم حقوق الفقراء ، وربط العلاقة بين الأغنياء والفقراء بوثائق من الدين والنصوص المحكمة التي لا تقبل التخلف ، وإنشاء المساجد ودور التعلم وتوجيهها التوجيه السليم ، فكل هذا دعوة إلى الخير ، وبعبارة عامة شاملة الدعوة إلى الخير تشتمل على كل ما يقوم عليه بناء الاجتماع من الناحية المادية والأدبية . أما الثاني وهو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فالمراد به نشر الفكر الإسلامي ، وبيان الحقائق الدينية ، وتوجيه النفوس إليها وجذبهم نحوها ، ودفع كل ما ليس بإسلامى ، وإقامة الحق والعدل ، وهو مقام سام لا يصل إليه إلا ذوو