محمد أبو زهرة

1346

زهرة التفاسير

الهمة والتقى من الرجال ، وهو شاق إن أدى على وجهه ، بحيث يرشد الحاكم والمحكوم ، والقوى والضعيف ، لا يخشى في اللّه لومة لائم ، لا يجمجم إذا كان المنكر من قوى ظالم ، ويغلظ ويعنف إن كان المنكر ممن لا يخشى بطشه ولا يرجى عطاؤه ، ولا يتأول لتصرفات من يخاف شره ويطمع في خيره . فإن كان المرشد على ذلك النحو فقد سار في طريق النبيين ، ولقد روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة اللّه في الأرض ، وخليفة كتابه ، وخليفة رسوله » « 1 » وهو بهذا الاعتبار خير الناس ، ومعنى خلافته عن اللّه تعالى أن يكون مصلحا في الأرض غير مفسد فيها ، ولذا قال تعالى عند خلق آدم للملائكة : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ . . . ( 30 ) [ البقرة ] فخلافة اللّه في الأرض تقتضى الصلاح والدعوة إليه ، وذلك ما يقوم به الآمر بالمعروف والناهى عن المنكر ، ولقد سئل عليه الصلاة والسلام وهو على المنبر : من خير الناس ؟ قال : « آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم وأوصلهم » « 2 » . ولقد قال أبو الدرداء : ( لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن اللّه عليكم سلطانا ظالما ، لا يجل كبيركم ، ولا يرحم صغيركم ، ويدعو عليه خياركم فلا يستجاب لهم ، وينتصرون فلا ينصرون ، ويستغفرون فلا يغفر لهم ) . وإن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مراتب ، تعلو كل مرتبة عن الأخرى بمقدار ما يكون فيها من مشقة وتعرض للعنت مع الجدوى والفائدة ، ولذا كان أعلاه ما يوجه إلى الجائرين من الحكام والأمراء ؛ ولذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر » « 3 » . وبذلك اعتبر النبي صلى اللّه عليه وسلم هذه المرتبة جهادا ،

--> ( 1 ) رواه الديلمي عن ثوبان . كنز العمال ج 3 ( 5564 ) . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) رواه النسائي : البيعة - فضل من تكلم عند سلطان جائر ( 4138 ) عن طارق بن شهب ، وابن ماجة : الفتن - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( 4002 ) عن أبي أمامة الباهلي ، وأحمد : باقي مسند المكثرين ( 10716 ) عن أبي سعيد الخدري .