محمد أبو زهرة

1344

زهرة التفاسير

في حقيقة أمرهم وتفكيرهم أكثر اتصالا بالطبائع البهيمية منهم بالطبائع الإنسانية . و ( من ) في قوله تعالى : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ قيل : إنها بيانية ، وقيل . إنها تبعيضية ، وهي تحتملهما معا ، وعلى أنها بيانية يكون المعنى أن الأمة كلها عليها واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ويكون التخريج اللفظي لقوله تعالى تقدست كلماته : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ مثل قول القائل : ليكن منك رجل خير ، أو ليكن منك رجل جهاد ، أي ليكن منك رجل خير ورجل جهاد ، فالمعنى الجملي للنص الكريم : ولتكونوا أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وإذا كان ذلك الواجب على الأمة كلها ، فهو يتفاوت بتفاوت مقدار ما أوتيه كل واحد من العلم والقوة ، فعلى أولياء الأمر أن يرتبوا أمر الدعوة الإسلامية ، وبيان الحقائق ، ووضع النظم الزاجرة المانعة من الشر ، أن يتفاقم أمره ، ويشتد سيله ، ويكون على العلماء واجب بيان الشرع في دروس عامة وخاصة ، وبيان الحق في كل أمر يجدّ في شؤون الناس ، وبيان طرق الدعوة إلى سبيل اللّه ، ويكون على العامة كلّ في محيط وجوده وبمقدار طاقته أن يرشد وأن ينصح ، فمن رأى رجلا يرفث في القول ، أو يجرح كرامات الناس ، أرشده ونهاه ، ومن رأى رجلا يفطر في رمضان وعظه وهداه ، ومن رأى رجلا لا يصلى حثه على الصلاة ، على أن يكون ذلك برقيق القول ، لا بالجفوة والعنف فإن الجفوة لا تجدى بل تبعد ، والمودة تجدى وتقرب ، وبهذا تكون الأمة كلها تتواصى بالحق ، وتتواصى بالصبر والهداية . هذا سياق القول على أن ( من ) بيانية ، وأما سياقه على أنها تبعيضية ، فيكون المعنى : ليكن بعض منكم أمة أي طائفة تؤم وتقصد وتكون مجابة الدعوة ، إذ تدعو إلى الخير أي إلى كل ما هو نافع في ذاته ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وعلى ذلك يكون في الآية الكريمة طلبان :