محمد أبو زهرة
1343
زهرة التفاسير
بعد أن أمر سبحانه وتعالى بالاعتصام بحبل اللّه تعالى ؛ والاستمساك بالقرآن الكريم ، والالتفاف حوله ، وعدم التفرق والانقسام - بيّن سبحانه وتعالى السبيل لهذا الاعتصام ، والطريق للوحدة الفاضلة ، التي لا تفرق فيها ، ولا اختلاف يفك عراها ، ويهدم بنيانها ، وذلك السبيل هو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . ولذلك فرضه سبحانه وتعالى بقوله تقدست كلماته : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ المعروف هو الأمر الذي تعارفته العقول ولم تختلف فيه الأفهام ؛ وهو الذي يكون متفقا مع الفطرة الإنسانية التي لا تختلف في الناس ، والمنكر هو ما تضافرت العقول الإنسانية على إنكاره وقبحه ، وهو مناقض للفطرة الإنسانية . وإن العقول من بدء الخليقة تضافرت على أمور أقرتها ، وعلى أخرى أنكرتها ، فلم تختلف العقول في مدح الصدق والعدل والحياء والعفة ، ولم تختلف العقول في استنكار الظلم والكذب والفجور والاعتداء بكل ضروبه ، ومهما يحاول الذين يريدون حل المجتمعات الفاضلة وهدم بنيانها ، من إنكار لتلك الحقائق ، وادعاء أنها ليست مقومات الإنسانية ، وأنها اتفاقات زمنية ، وأوهام سيطرت على العقول - فلن يصلوا إلى غاياتهم ، وإن ادعوا أن ما يقولونه هو طبيعة الوجود ، ولذا سموا أنفسهم وجوديين ، وذلك لأن كلامهم ضد طبائع النفوس ، وضد السمو الإنسانى عن الطبيعة الحيوانية ، وضد الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها ، وإن الأعرابي الذي سئل : لما ذا آمنت بمحمد ؟ فقال : ما رأيت محمدا يقول في أمر : افعل ، والعقل يقول لا تفعل ، وما رأيت محمدا يقول في أمر : لا تفعل ، والعقل يقول افعل - أكبر إدراكا من هؤلاء المتفلسفة ، وأكثر اتصالا بطبائع الوجود الإنسانى منهم ، وهم