محمد أبو زهرة

1342

زهرة التفاسير

والتألف معنى نفسي ، والأخوة مظهر اجتماعي عملي ، ولقد شدد - سبحانه - في التذكير بمآثم الاختلاف بعد أن أشار إلى نعمة الوفاق بقوله : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها . أي كنتم - بسبب اختلافكم وضلالكم وعبادتكم للأوثان وانحراف تفكيركم - قد أوشكتم على أن تقعوا في النار بسبب تغلغلكم في أسبابها وسيركم في طريقكم حتى صرتم كأنكم على شفا حفرتها ، وشفا الحفرة حرفها ، وقوله تعالى : فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها الضمير يعود إلى الحفرة ؛ لأن من يكون على شفاها يقع فيها لا محالة إلا أن يبعده مبعد عنها ، فيكون منقذا له منها ، والكلام فيه استعارة تمثيلية ، وخلاصتها أنه شبهت حالهم في ترديهم في الاختلاف والوثنية وسيرهم في طريق النار يوم القيامة بحال من يكون على طرف حفرة من النار لا يتماسك عن الوقوع فيها ، وشبهت هداية اللّه تعالى لهم بحال من يتولى تجنيبهم التردى في تلك الحال الخطرة الخطيرة ، ولقد ذكر سبحانه وتعالى سنته في بيان هدايته فقال : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . أي كهذا البيان الذي بيّنه اللّه سبحانه وتعالى لكم في محكم القرآن ، وبين لكم به سبيل هدايتكم ، وبين لكم به نعمة هدايتكم ونعمة إخوتكم ، يبين سبحانه وتعالى دائما الآيات البينات سواء كانت تلك الآيات قرآنية أم كانت كونية ، وذلك لتقربوا دائما من الهداية ، ولتكون بين أيديكم أسبابها ، لعلكم تنالون الثمرة وهي الاهتداء الدائم ، واللّه سبحانه وتعالى هو الهادي إلى سواء السبيل . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 104 إلى 107 ] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 ) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 107 )