محمد أبو زهرة

1341

زهرة التفاسير

وإن النهى عن التفرق توجب إطاعته الإخلاص والحذر ، وطريقه الاعتبار ، ولذلك قال تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً . الخطاب عام لكل المؤمنين في كل الأجيال وكل الأعصار ، ويدخل في عمومه كل الأجناس وكل الشعوب ، فالدعوة إلى التذكر دعوة عامة ، وهي تذكر لماضى الانقسام ، ثم من بعد الاتفاق والوئام ، والطريق إلى الوحدة ، ولكن إذا كان التذكير عاما ، فإن الاختلاف الذي أشار إليه النص الكريم كان خاصا بطائفة من المؤمنين ، وهم الذين عاصروا النبي صلى اللّه عليه وسلم من المهاجرين والأنصار ، فالأنصار أكلتهم الحرب التي قامت بين الأوس والخزرج حتى أتم اللّه عليهم نعمة الهداية ، والعرب جميعا كانوا في تنابز وتنافر حتى كادت بعض قبائلهم تفنيها الحروب التي لا تبقى ولا تذر . ولما ذا اعتبر الاختلاف السابق الخاص كأنه اختلاف عام ، وخوطب به المؤمنون جميعا ؟ والجواب عن ذلك أن هذا للدلالة على وحدة الأمة ، فما كان من ماضيها يخاطب به حاضرها للاعتبار والاتعاظ ، ولأن سبب الاختلاف في كل نفس لا يقى منه إلا الهداية ، فما وقع من الماضين يتوقع أن يقع من الحاضرين ، لأن الإنسان ابن الإنسان ، ولأن الخلاص طريقه واحد ، فما خلص به الماضون يخلص به الحاضرون ، إن اعتزموا سلوك ما سلكه الذين من قبلهم . والنعمة التي يذكرنا اللّه بها في قوله تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هي نعمة الهداية والتأليف القلبي ، وهو أعظم النعم على الجماعات والأمم ، وقد بينها سبحانه بقوله : إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فهذه نعمة بيّنة واضحة ، وهذه النعمة ترتب عليها أثرها الجليل الخطير بفيض آخر من نعمته سبحانه أيضا ولذا قال : فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً فالنعمة الثانية التي كانت امتدادا للنعمة وفيضا لها هي نعمة الأخوة العامة ، التي تجعل الأهواء مشتركة ، والمصالح متشابكة متوحدة ، يتعاون كل واحد في الأمر الذي يحسنه لمصلحة الجميع ، والآية ترمى إلى بيان أن تألف القلوب وحده نعمة والأخوة المترتبة عليه المتعاونة نعمة أخرى ،