محمد أبو زهرة

1333

زهرة التفاسير

والإنكار أو التعجب أساسه الحال التي هم عليها ، وهي كونهم في حضرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وهو يتلو عليهم الآيات ، فالمعنى كيف تكفرون أو يتصور منكم الكفر ، أو يسوغ لكم أن تسيروا في أسبابه ، وآيات اللّه تتلى عليكم بلسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا بلسان أحد سواه ، ويقول الزمخشري في توضيح هذا : ( تتلى عليكم على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غضة طرية ، وبين أظهركم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم ) . والخطاب في الآية : وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ - كما يبدو من عبارات الزمخشري وغيره - خاص بالمؤمنين في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهم الذين شاهدوا النور المحمدي وشافهوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وإن ساعة في حضرة النبي صلى اللّه عليه وسلم تغنى عن اجتهاد سنين ، كما قال أبو حنيفة رضى اللّه عنه . ويصح أن يكون الخطاب لكل المؤمنين ، وتكون الآيات تتلى على لسان القراء والعلماء من بعده ، وهي ستتلى إلى يوم القيامة : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) [ الحجر ] وأما وجود الرسول في الأخلاف فإنه يكون بوجود سنته النبوية الشريفة ، وإنه إن كان الاحتياط يكون أشد - لا يخلو من فضل ثواب إن سلم القلب واهتدى العقل وتحصنت النفس ، وقد روى البخاري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه يوما : [ « أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانا ؟ » قالوا : الملائكة ، فقال عليه الصلاة والسلام : « وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم ؟ ! » قالوا : فنحن ؟ « وكيف لا تؤمنون ، وأنا بين أظهركم ؟ ! » قالوا : فأي الناس أعجب إيمانا ؟ قال : « قوم يجيئون من بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها » ] . وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بعد أن بيّن سبحانه ما يحاوله اليهود وما يتمنونه وهو أن يضلوا المؤمنين كما قال تعالى : وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 69 ) [ آل عمران ] - أخذ يبيّن سبحانه طريق العصمة من مكايدهم ، ويغلق أبواب القلب حتى لا يتأثر بما يحاولون أن يفسدوه به ، فقال سبحانه : وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ أصل