محمد أبو زهرة

1334

زهرة التفاسير

الاعتصام معناه الامتناع والالتجاء والاستمساك ، وهو من عصم بمعنى منع ، يقال عصمه الطعام أي منع عنه الجوع ، وعصمته النبوة أي منعته من أن يقع في إثم قط ، ومعنى النص السامي : ومن يعتصم باللّه أي يجعل اللّه تعالى عاصما له ومانعا ، يستنصح بكتابه ، ويلجأ إلى كلام رسوله إذا ادلهمت الظلمات ، فقد هدى إلى صراط مستقيم ، أي طريق مستقيم لا عوج فيه ولا انحراف ، ومعنى الاعتصام باللّه : الاعتصام بدين اللّه كما قال أكثر المفسرين ، وإني أرى الاعتصام باللّه هو الاعتصام بذاته سبحانه ، وإن كان الاعتصام بالذات العلية يستلزم حتما الاعتصام بدينه الحق الخالد إلى يوم القيامة ، ولكني اخترت الاعتصام باللّه ، وأن يكون الإسناد إلى ذاته سبحانه من غير تقدير مضاف ؛ لأن الاعتصام باللّه يقتضى ألا يحب أحدا إلا اللّه ، ويقتضى أن يكون الشخص ربانيا لا ينظر إلى عصبية جاهلية ، ولا لهوى ولا لعرض من أعراض الدنيا ، فيلجأ إلى اللّه ، ويحب الشئ لذات اللّه كما ورد في الحديث الشريف : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشئ لا يحبه إلا للّه تعالى » « 1 » ، ويقتضى أن يتجه إلى اللّه ويتذكره عندما ينزغ في النفس نازغ ، كما قال تعالى : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ . . . ( 36 ) [ فصلت ] ، ويقتضى الاعتصام باللّه أن يتوكل على اللّه حق توكله ، فيدبر الأمور ويعتزمها ثم يفوض أمر مصائرها إليه سبحانه وتعالى ، ويقتضى الاعتصام باللّه أن يبتعد عن مواطن الريب ، ولا يتبع الشبهات ، كما قال تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ( 7 ) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 ) [ آل عمران ] . ذلك بعض مظاهر الاعتصام بالذات العليّة ، ولذا نجد أنه لا حاجة إلى تقدير مضاف هو لفظ دين ، وفوق ذلك فإن هذا التقدير لا يستقيم معه نسق القول في

--> ( 1 ) سبق تخريجه .