محمد أبو زهرة

1332

زهرة التفاسير

بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ وفي هذا يعبر سبحانه وتعالى بقوله : يَرُدُّوكُمْ ولم يقل : تَرْتَدُّوا والمعنى متلاق ، ولكن الأول في بيان تسلط الكفار على قلوب أهل الإيمان في حال تلك الطاعة ، فهو نوع آخر من التحذير منهم ؛ لأنهم كالشياطين ، فعلى كل مؤمن أن يحذرهم . أما الارتداد فإنه يكون انبعاثا من نفس المرتد ، بضلاله هو لا بتأثير من غيره . وفي الجملة النص السامي الكريم سيق لتحذيرهم من ذلك العدو الذي اختلط بهم ، وأخذ ينفث سموم الشر ، وسموم التفرقة بينهم ، وأنهم يعودون إلى الكفر إذا استجابوا لدعوته ، ومكنوا لسمومه من أن تصل إلى قلوبهم ، ولقد بيّن سبحانه بعد ذلك أنه ما كان يسوغ لهم أن يستمعوا إلى دعوات الأعداء ، ويفتحوا الباب لتدبيرهم الخبيث ، ورسول اللّه فيهم فقال : وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ : الاستفهام هنا للتعجب أو للإنكار ، ومعنى التعجب فيه هو أنه لا يتصوّر أن يكون منكم كفر ، ولو تصور لكان موضعا للعجب والاستغراب ؛ لأن آيات اللّه تتلى عليكم ، ورسوله بين ظهرانيكم ، ويردكم للحق إن زغتم ، وتهديكم آيات اللّه البينة إن ضللتم ، وهذا فيه ما يومئ إلى إلقاء اليأس في قلوب اليهود من أن يصلوا إلى ما يبتغون من إيجاد الفرقة والانقسام بأمر جاهلي ، وأما على اعتبار الاستفهام للإنكار فهو إما نفى للوقوع أي أنه لا يمكن أن يقع منكم الكفر ، ورسول اللّه بينكم ، وآيات اللّه تتلى عليكم ، وإما أنه نفى للواقع ، فيكون للعتب ، والمعنى كيف سوغتم لأنفسكم أن تفتحوا قلوبكم لأسباب الكفر التي ابتغاها اليهود بالاستماع إلى كلماتهم المفرقة ، فيكون الإنكار لما وقع باعتباره كان يؤدى إلى الكفر ، فيعودون إلى ما كانوا عليه في الجاهلية يضرب بعضهم رقاب بعض ، فإذا كان الإنكار للواقع يكون الإنكار للسبب الذي وقع ويؤدى إلى السبب وهو الكفر ، لا أن الكفر قد وقع .