محمد أبو زهرة

1331

زهرة التفاسير

الرسول أنها نزغة الشيطان ، فحذرهم اللّه تعالى هذه النزغة مرة أخرى ، وأمرهم بالحذر الشديد من اليهود خشية أن يكون فعلهم محاولة لما يريد أولئك الأشرار الذين ابتلى اللّه بهم البرية ، ومطاوعة لمقاصدهم الآثمة ، وصدر الخطاب بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تنبيها لخطر ما يدعوهم إليه ، ولتحريك عناصر الإيمان في قلوبهم ، فيكون منهم الحذر واليقظة ، فإن الإيمان فطنة « 1 » ، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين « 2 » ، ولأن علة الإجابة للطلب هي الإيمان ، وفي قوله تعالى : إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ عبر في الشرط ب « إن » للإشارة إلى بعد وقوع الطاعة منهم لهؤلاء مع إيمانهم ، لأن « إن » الشرطية تفيد الشك في وقوع الشرط ، وبالتالي ترتب الجواب عليه ، بخلاف « إذا » فإنها تفيد وقوع الشرط أو تؤذن بوقوعه وترتب الجواب عليه ، كقوله تعالى : إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ( 1 ) [ الانشقاق ] وقوله تعالى : إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ( 1 ) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ( 2 ) [ الانفطار ] ، وقوله تعالى : وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ ( 8 ) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ( 9 ) [ التكوير ] وذكر سبحانه وتعالى الذين يحاولون إركاس المسلمين في الفتنة وتضليلهم ، بأنهم فريق من الذين أوتوا الكتاب ؛ لأنهم لم يكونوا كلهم ، ولأنه يرجى الإيمان من بعضهم . بدل الاستمرار على الغى والفساد ؛ ووصفهم سبحانه وتعالى : بأنهم أوتوا الكتاب للإشارة إلى أن تضليلهم مقصود ، وأنهم أهل معرفة ، ولكنهم استخدموها للضلال والتضليل ، فصاروا بهذا كالأنعام بل أضل سبيلا ؛ لأن المعرفة إن لم تكن لنصرة الحق كان الجهل خيرا منها ؛ لأنه أدنى إلى المعذرة . وقد رتب سبحانه على الطاعة المفروضة التي حذر سبحانه وتعالى منها نتيجتها إن وقعت ، ولا تقع من مؤمن بحمد اللّه تعالى فقال سبحانه : يَرُدُّوكُمْ

--> ( 1 ) الفطنة : الفهم والحذق . ( 2 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : الأدب - لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين ( 5668 ) ، ومسلم : الزهد والرقائق ( 5317 ) وجاء في فتح الباري .