محمد أبو زهرة

1330

زهرة التفاسير

صفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن وجهها ، ونحو ذلك . والثاني : أنكم تتبعون أنفسكم في إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم » . وهذا الكلام في جملته قريب منه ما بيناه آنفا . ومعنى قوله تعالى : وَأَنْتُمْ شُهَداءُ والحال أنكم شهداء عالمون بالحق علم من يعاين ويشاهد ويحكم بأنه الحق والصواب ، فهو جحود عن علم ، وكفر ليس عن جهل ، وإيغال في الكفر بالصد عن سبيل اللّه ، وبينات الحق بين أيديكم وأماراته معلنة له في أيديكم . والاستنكار التوبيخى متجه إلى جملة حالهم ، ومعنى كلامه السامي سبحانه : لم تصرفون الناس عن طريق الحق ، وتبغون الاعوجاج ، أو توهمون الناس أن فيه عوجا والتواء ، والحال أنكم تشهدون بالحق الذي اشتمل عليه ، وتعلمه علم المعايش الذي يراه ويحسه ، ولقد أنذرهم سبحانه بعد ذلك بقوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ هذا نفى مؤكد لإهمال اللّه تعالى عملهم ، وغفلته عنهم ومما يضمرون ويفعلون ، وقد تأكد النفي بالباء الزائدة التي تفيد توكيد النفي ، وكان ذلك النفي المؤكد لبيان عاقبة أعمالهم ، فإذا كان ما يفعلون في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، فإنهم مجزيون به ، محاسبون عليه ، وهو من جنس ما صنعوا ، وما صنعوا بكفرهم وصرفهم الناس عن طريق اللّه تعالى ، وطريق الحق - إلا شرا ، وإلا خسارا يعود عليهم في الدنيا والآخرة ، ففي الدنيا يعود بالفشل والذلة ، وفي الآخرة عذاب الهون بما كانوا يكسبون . ولقد حذر اللّه سبحانه المؤمنين مما يريدونه بهم . فقال سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ كان نزول هذه الآية وما وليها من آيات بعد تلك المحاولة التي حاولها الشيخ اليهودي في التفرقة بين الأوس والخزرج ، والتي همّ الفريقان بسببها أن يتشاجرا بالسيوف لولا أن نبي الرحمة تداركهم قبل أن يفعلوا ، وأدركوا بكلمات