محمد أبو زهرة

1329

زهرة التفاسير

والإنكار في الآية الكريمة منصب على كفرهم مع هذه الحال ، والمعنى : يا أهل الكتاب الذين أوتوا علم النبوات لم تكفرون بالأدلة القائمة على صدق رسالته ، والحال أن اللّه تعالى شهيد عالم معاين حاكم قوام على ما تعملون من خير ومن شر ، فالنص السامي يتضمن توبيخا على الكفر ، وتهديدا بالعقاب الشديد على ما يعملون ، لأن اللّه تعالى إذا كان شهيدا على ما يفعلون ، وهو الحكم العدل القادر على الثواب والعقاب ، فإنه بلا ريب مجازيهم على فعلهم ، ومحاسبهم على مقاصدهم في أقوالهم وأفعالهم . قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ ذكرنا أنهم لا يكتفون بكفرهم ، بل يبغون في غيرهم إبعاده عن الحق ، فيصدون عن سبيله ، وقد كرر سبحانه بالحق الذي أنكروه ، ويضع أيديهم على حالهم التي ألفوا فيها الباطل ، حتى غلقوا به أبواب الحق على أنفسهم وقوله تعالى : لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ معناه لم تصرفون الناس عن سبيل اللّه تعالى وهو سبيل النور وسبيل الحق ، فالصد هو الصرف والمنع ، والحيلولة بين الشخص والوصول إلى الأمر ؛ و « سَبِيلِ اللَّهِ » هي السبيل التي وضّحها وبيّنها سبحانه ، وهي الصراط المستقيم الذي يوصل إلى رضاه سبحانه ، وإذا كان أولئك يحاولون منع الناس من الطريق الذي رسمه العلى الكريم وحد حدوده فقد عاندوا إرادة اللّه وحادوه ، ومن يحادّ اللّه تعالى فإنه مغلوب لا محالة ، وقد وصف سبحانه وتعالى حالهم في الصد عن سبيل اللّه فقال : تَبْغُونَها عِوَجاً أي ترغبون العوج لها ، أي تريدون أن تكون ملتوية غير واضحة ولا بيّنة في أعين المهتدين ، كما التوت نفوسكم ، وحالت عيونكم ، فلم تدرك الحق مستقيما بعد أن قامت بيناته ، أو المراد تبغونها أي تطلبونها معوجة حائلة ، أي لا تتجهون في طلبها بقلب سليم ، فتكون معوجة لاعوجاجكم . وقد قال الزمخشري في معنى هذه الجملة السامية : « فإن قلت : كيف تبغونها عوجا ، وهو محال ؟ قلت : فيه معنيان ؛ أحدهما : أنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها عوجا بقولكم : إن شريعة موسى لا تنسخ ، وبتغييركم