محمد أبو زهرة
1328
زهرة التفاسير
يقولونها في الجاهلية متفاخرين ، ففعل ، فتذاكروا يوم بعاث ، وهو يوم حرب من أيامهم في الجاهلية ، وتكلموا في ذلك فتنازعوا وهمّ الحيّان أن يتقاتلا ، حتى جاءهم النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول لهم : « يا معشر المسلمين ، اللّه اللّه ، أتدعون بدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم اللّه إلى الإسلام وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألف بينكم ، أترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا ؟ » « 1 » . هذا فعل اليهود ، كفروا بالحق بعد أن جاءتهم البينات ، ولم يكتفوا بالكفر ، بل أخذوا يصدون ويمنعون عن الحق أو الاستقرار فيه غيرهم ؛ ولذا قال سبحانه : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ الأمر للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أمره سبحانه وتعالى أن يوبخهم على ما كان منهم ، وأمره أن يناديهم ب « أَهْلَ الْكِتابِ » للمبالغة في التوبيخ والاستنكار ؛ لأن علمهم بالكتاب كان يتقاضاهم الإيمان ، وأن يذعنوا للحق ، فإنه لا يستوى من يعلم ومن يجهل ؛ فإن كانوا مع علمهم بأخبار النبوات يكفرون ، فهو دليل على فساد قلوبهم ، ويقول سبحانه : لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ والآيات هنا هي الآيات القرآنية ، والكفر بها هو عدم الإذعان لأحكامها وإنكار صدقها ، ومنازعة أهل الحق في معانيها ، أو نقول : آيات اللّه تعالى هي الأمارات التي ساقها اللّه سبحانه وتعالى لإثبات الحق في الرسالة المحمدية ، فهم لإيغالهم في الجحود والإنكار لا يكتفون بإنكار الحق ، بل ينكرون الدليل الذي قام عليه ، وثبت به ، وهم بذلك يغلقون قلوبهم ، فلا يصل إليها نور الحق ، وإذا كانوا ينكرون كل دليل يصلهم بالهداية ، فقد سارعوا إلى الكفر ، وقوله تعالى : وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ أي عالم علم المعاين الحاضر القائم الحاكم على ما يعملون دائما ، سواء أكان العمل عمل القلب أم كان العمل عمل الجوارح .
--> ( 1 ) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره - آل عمران : 99