محمد أبو زهرة
1323
زهرة التفاسير
والذين أرادوه بسوء ما إن جاءوا إليه حتى ارتدوا على أدبارهم خاسئين ؛ وبذلك ثبتت حرمته ، وأشع نوره لغير العرب ، كما امتلأت قلوب العرب بحرمته ، وبعد الإسلام كان قبلة المسلمين في كل العالمين ومزارهم وموضع مؤتمرهم الأكبر ، وإلى البيت الحرام يأرز الإسلام ، فكون هذا البيت العتيق مصدر هداية ثبت جاهلية وإسلاما ، وهدايته في الإسلام مطلقة ، وهدايته في الجاهلية نسبية : فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً في هذا النص السامي بيان عظمة البيت الحرام ، ومكانته والأدلة على قدمه وبركته ؛ ومعنى النص الكريم : فيه علامات واضحة تبين شرف منزلته وقدمه وطهارته ، وفيض اللّه سبحانه وتعالى عليه بالنور وأسباب الهداية ، وأنه لا بيت يدانيه في منزلته عند اللّه ، وإن كان هذا البيت الآخر تشد إليه الرحال « 1 » . وقد قالوا إن قوله تعالى : مَقامُ إِبْراهِيمَ بيان لهذه الآيات البينات ، ويصح أن نعتبرها وحدها بيان هذه الآيات من حيث الدلالة على قدمه ، وأن بانيه إبراهيم ، وأن آثار أقدامه واضحة خالدة فيه ، وقد وضح هذا المعنى الزمخشري أتم توضيح فقال : ( فإن قلت كيف صح بيان الجماعة بالواحد ؟ قلت فيه وجهان ؛ أحدهما : أن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة ، لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة اللّه تعالى ونبوة إبراهيم عليه السلام ، ومن تأثير قدمه في حجر صلد . . والثاني : اشتماله على آيات كثيرة ؛ لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية ، وغوصه فيها إلى الكعبين آية ، وإلانة بعض الصخر دون بعض آية ، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء آية ، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف السنين آية ) . وهذا الكلام على اعتبار أن مقام إبراهيم هو موضع الآيات البينات ولكن الذي نراه وقد ذكره الزمخشري أيضا أن هذه الآيات البينات ليست مقام إبراهيم
--> ( 1 ) عن أبي هريرة يبلغ به النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « لا تشدّ الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى » [ متفق عليه ؛ رواه البخاري : الجمعة - فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ( 1115 ) ، ومسلم واللفظ له : الحج - لا تشد الرحال ( 2475 ) ] .