محمد أبو زهرة

1322

زهرة التفاسير

فوجود مقام إبراهيم بالبيت الحرام ، وآثار أقدامه الشريفة دليل على مكانة هذا البيت من ملة إبراهيم عليه السلام ، وأما ما يدعيه اليهود من وجود آثار هيكل سليمان تحت المسجد الأقصى ، فلم يقم عليه دليل ولا بينة . ووصفه سبحانه وتعالى بأنه مبارك ؛ أي فائض الخيرات كثير الثمرات المادية والمعنوية ؛ فمن بركاته المادية أنه يفد إليه الحجيج من كل فج عميق ؛ ويعتمرون فيه في كل أيام أشهر السنة ، حتى أنه لا يمر عليه يوم من غير وفود تجىء إليه ، ومع هذه الوفود خيرات الأرض ؛ وكان ذلك إجابة لدعاء إبراهيم في قوله تعالى : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( 37 ) [ إبراهيم ] . وقد كان في البيت تلك البركة المادية بتلك الوفود ؛ وبالثمرات التي كانت في باطن الأرض حوله أو على مقربة منه فقد كشفت على مقربة منه فلزات الأرض وسيول الغاز ، مما كان خيرا وبركة على سدنته ومن يعيشون حوله ، وبذلك أجاب اللّه تعالى دعاء إبراهيم عليه السلام ، وبقي على الذين يتنعمون بهذه الثمرات أن يشكروا اللّه : لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . هذه هي البركة المادية ، أما البركة المعنوية فهي أنه موضع لأكبر عبادة جامعة وهي الحج ، وهو مبعث محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وفيه منازل وحيه ، وإليه يتجه الناس في كل بقاع الأرض ، وتلتقى عنده قلوب الأجناس والألوان المختلفة في عباداتهم ، ولذا وصفه سبحانه بقوله : وَهُدىً لِلْعالَمِينَ : هذا عطف على قوله سبحانه مُبارَكاً أي أن اللّه سبحانه وتعالى جمع لهذا البيت الكريم حالتين خاصتين به لم تجتمعا في بيت غيره ، فهو قد اشتمل على البركة المادية والمعنوية ، وحماه اللّه تعالى من اعتداء المعتدين ، ولهذا قال : وَهُدىً لِلْعالَمِينَ أي هو بذاته مصدر هداية للعالمين أي للناس أجمعين ؛ ففي وسط الشرك كانوا يلتحمون ويتقاتلون حوله ، فإذا جاءوا إليه كان الرجل يلقى قاتل أخيه أو أبيه فلا يمسه بسوء لعظم حرمة البيت في قلبه ، وإن مس الشرك نفسه .