محمد أبو زهرة

1314

زهرة التفاسير

لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ الخطاب عام ، وقد صدر بتأكيد النفي المنصب على نيل البر ، والمعنى لن تنالوا وصف الأبرار الأخيار حتى تنفقوا مما تحبون ، وفي هذه الآية حث على الإنفاق ، وعلى القيام بالأعمال التي تكون فيها مخالفة للهوى ومنازعات النفس ، وقد تكلم المفسرون في معنى البر المذكور في هذه الآية ، فقال بعضهم : إن المراد الاتصاف به كقوله تعالى : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ . . . ( 177 ) [ البقرة ] إلى آخره ، فالمعنى لن تنالوا وصف البر الذي هو خاصة الأخيار إلا بأن تنفقوا مما تحبون ، وهذا ما نختاره ، وهو الأوضح مما عداه ، ولكن لم يذكر على هذا جزاء الآخرة . ونقول إن ذلك حكم من اللّه تعالى بأن الذين يفعلون ذلك من الأبرار . ولن ينال ذلك الوصف إلا المنفقون ، وقد كنى بهذا اللفظ مِمَّا تُحِبُّونَ عن المال ، لأن جميع الناس يحبون المال . وقيل : معناه ما تحبون من نفائس أموالكم ، دون أرذلها كقوله تعالى : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ . . . ( 267 ) [ البقرة ] . وقد روى أي عليا رضى اللّه عنه اشترى ثوبا فأعجبه فتصدق به وقال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من آثر على نفسه آثره اللّه يوم القيامة بالجنة ، ومن أحب شيئا فجعله للّه ، قال تعالى يوم القيامة قد كان العباد يكافئون فيما بينهم بالمعروف وأنا أكافئك اليوم بالجنة » « 1 » . ثم اعلموا أن اللّه يعلم كل ما تفعلون ، ويعلم ما في نياتكم ، ثم هو الذي يجازيكم على هذه الأعمال والنيات ، فاختاروا لأنفسكم ، إذا كنتم ترجون أحسن ما عند اللّه ، فقدموا لأنفسكم أحسن ما عندكم ، نسأل اللّه عزّ وجل أن يوفقنا لما يحب ويرضى .

--> ( 1 ) رواه البخاري : الزكاة - الزكاة على الأقارب ( 1368 ) ، ومسلم : الزكاة - فضل النفقة والصدقة على الأقربين ( 1664 ) . .