محمد أبو زهرة

1299

زهرة التفاسير

بين سبحانه وتعالى في الآيات السابقة شدة تعصب بعض الذين أوتوا الكتاب ، وأنهم غلّقوا بهذا التعصب باب النور فلم تشرق قلوبهم بهداية الإيمان ، ثم بين سبحانه أن صرح النبوة واحد ، وأن كل نبي متمم لما جاء به سابقه مصدق له ، ومبشر بالنبي الذي يجئ بعده ، وأن ذلك عهد اللّه وميثاقه ، وفي هذه الآية يشير إلى وحدة الرسالة الإلهية ، وأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم مؤمن بكل رسول جاء من قبله ، وأن ذلك الإيمان جزء من رسالته عليه الصلاة والسلام ؛ ولذلك أمره ربه بقوله تعالى : قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وهذا أمر من اللّه لنبيه بأن يبين لهم ارتباط شرائع اللّه ، وأنها سلسلة متصلة ، كل حلقة منها آخذة بالحلقة الأخرى ، لتنتهي معها إلى نهاية واحدة ، وهي الإخلاص ، وقد ابتدأ سبحانه بذكر الإيمان باللّه ، فقال : قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ والإيمان باللّه هو جماع الشرائع كلها ، إذ الإيمان باللّه يقتضى الإيمان بوجوده واحدا منفردا بالعبودية ، ومنفردا بالتكوين والإنشاء ، ويقتضى الإخلاص لذاته العلية فيطيعه فيما يأمره به ، وينته عما ينهاه عنه ، وتصديق رسله ، وعدم الاستكبار على أحد منهم ، وذلك هو الإيمان حقا وصدقا ، والإسلام الذي هو دين النبيين أجمعين ، وإذا كان الإيمان باللّه يقتضى تصديق كل ما جاءت به رسل اللّه - ذكر سبحانه بعد ذلك الإيمان بما أنزل على النبيين ، وهو عطف للمسبب على السبب وللنتيجة على المقدمة ، لبيان شرف النتيجة في ذاتها ، وأنها غرض مقصود لذاته ، وليس فقط تابعا لغيره ؛ وذلك لأن ما أنزل على الرسل فيه لبّ الشريعة السماوية المشتركة في كل الأديان التي ذكرها اللّه سبحانه بقوله تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ . . . ( 13 ) [ الشورى ] . وإن الأنبياء الذين ذكرتهم الآية هم الأنبياء الذين يدعى اليهود والنصارى أنهم يتبعونهم ، وفيهم إسماعيل أبو العرب ، وفي ذكرهم بيان أن اليهود والنصارى قد خرجوا عن دينهم بكفرهم بالنبي صلى اللّه عليه وسلم .