محمد أبو زهرة

1296

زهرة التفاسير

أي أن اللّه سبحانه قد أخذ هذا الإقرار على أنبيائه ، وأخذوا هم ذلك الميثاق على أتباعهم ، وبعد ذلك أمرهم سبحانه بأن يشهدوا على أتباعهم بأنهم أخذوا ذلك الميثاق عليهم ، فمعنى قوله تعالى : قالَ فَاشْهَدُوا أي فاشهدوا أيها الأنبياء على أتباعكم بأنكم أخذتم عليهم تلك العهود بأن يؤمنوا بالرسول الذي يجئ مصدقا لما معكم ، وأنهم إذا لم يفعلوا فقد خالفوا العهد والميثاق ، ونقضوا عهد اللّه تعالى الذي أمر النبيين بأخذه عليهم ، ثم أكد سبحانه وتعالى تلك الشهادة بشهادته سبحانه وتعالى ، وليس كمثله شئ ، وهو السميع البصير ؛ ولذا قال سبحانه : وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ وأي شهادة أجل وأعظم من شهادة خالق السماوات والأرض ومن فيهما . وإن هذا كله ينته بلا ريب إلى أن اليهود والنصارى عليهم أن يتبعوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأن ينصروه ، وأن يؤمنوا به ، وعليهم أن يعلموا أن ذلك اتباع لدينهم ، وأنهم إن ناوءوا الرسول ، فإنما يناوءون أنبياءهم ، وأنهم بمخالفتهم له قد خرجوا عن دينهم الذي ارتضوا ، والذي يزعمون أنهم يناقضون النبي صلى اللّه عليه وسلم لتأييده ونصرته . وإن هذه الآية السامية تدل على وحدة الرسالة الإلهية إلى أهل الأرض ، فما جاء به إبراهيم وموسى وعيسى هو ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ ولذا قال تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ . . . ( 13 ) [ الشورى ] . ولهذه الوحدة الدينية في الرسالة الإلهية سمى اللّه سبحانه كل مكذب لنبي مكذبا لدين اللّه ، ولو كان يدعى أنه يتبع دينا ولذا سمّى الخارجين فاسقين فقال تعالى : فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ . أي فمن أعرض بعد ذلك عن الإيمان بمحمد وعن نصرته وتأييده ، فأولئك هم الفاسقون ، أي الخارجون على كل دين غير المؤمنين بأي نوع من الإيمان ، فلم يؤمنوا لا بأنبيائهم ولا بمحمد ، ولا بمن يدّعون الإيمان بهم ، وقد أكد فسقهم